مع تزايد تركيز المنظمات على الاستدامة، اكتسبت الثقافة التنظيمية الخضراء اهتمامًا كبيرًا لما قد تحدثه من أثر في نتائج تنظيمية متنوعة، ويأتي في مقدمة هذه النتائج الالتزام التنظيمي الذي يضطلع بدور حاسم في تعزيز دافعية الموظفين والاحتفاظ بهم وأداء المنشأة العام، كما يعد الدعم التنظيمي المدرك متغيرًا بحثيًا مهمًا يؤثر في الالتزام التنظيمي، غير أن دور هذا الدعم وسيطًا في العلاقة بين الثقافة التنظيمية الخضراء والالتزام التنظيمي ظل غير مفحوص في الدراسات السابقة، ومن هنا اتجهت هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة لدى شركات التصنيع الكبيرة والمتوسطة، وفي سياق جغرافي وصناعي جديد هو قطاع التصنيع في بيرو
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الدور الوسيط للدعم التنظيمي المدرك في العلاقة بين الثقافة التنظيمية الخضراء والالتزام التنظيمي، واتخذت منحى كميًا بتصميم غير تجريبي مقطعي، وحللت البيانات بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، وبلغت العينة عشوائية التكوين 154 شركة من شركات التصنيع الكبيرة والمتوسطة، وعالجت البيانات ببرنامج متخصص في هذا النوع من النمذجة، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة بين المتغيرات وقياس الأثر الوسيط للدعم التنظيمي المدرك في العلاقة الرئيسة قياسًا دقيقًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الدعم التنظيمي المدرك يمارس وساطة تكميلية في العلاقة بين الثقافة التنظيمية الخضراء والالتزام التنظيمي، إذ وجدت علاقة موجبة بين الثقافة التنظيمية الخضراء والدعم التنظيمي المدرك، ويؤثر هذا الدعم بدوره إيجابيًا في الالتزام التنظيمي، بما يعني أن الثقافة الخضراء تعزز الالتزام مباشرة وعبر شعور الموظفين بأن منظمتهم تدعمهم وتقدرهم في آن واحد
وتعد هذه الدراسة الأولى التي تثبت أثر الوساطة التكميلية للدعم التنظيمي المدرك في هذه العلاقة في ضوء نظرية الدعم التنظيمي، كما تقدم دليلًا تجريبيًا قيمًا في سياق جغرافي وصناعي جديد هو قطاع التصنيع في بيرو، الذي يضطلع بدور حاسم في دفع الاستدامة العالمية، إذ تشير النتائج إلى أن دمج الشركات للممارسات الصديقة للبيئة في نماذج أعمالها ينعكس إيجابًا في السلوك التنظيمي ويعزز تنافسيتها في الأسواق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج رؤى قيمة للمديرين الساعين إلى تعزيز الالتزام التنظيمي لدى موظفيهم، إذ يمكن للمنشآت أن تحسن التزام موظفيها وتسهم في نجاحها التنظيمي عبر تعزيز ثقافة تنظيمية خضراء وتدعيم الدعم التنظيمي المدرك معًا، فالثقافة الخضراء وحدها قد لا تكفي إن لم يشعر الموظف أن منظمته تقف إلى جانبه، كما أن الدعم المدرك يجد في الثقافة الخضراء أرضية خصبة للنمو حين تتحول قيم الاستدامة إلى ممارسات يومية محسوسة في بيئة العمل
ويعزز السياق الصناعي الذي أجريت فيه الدراسة من قيمة نتائجها، فقطاع التصنيع ليس قطاعًا هامشيًا في أجندة الاستدامة العالمية، بل مصدر رئيس للانبعاثات واستهلاك الموارد، ومن ثم فإن تحول ثقافته التنظيمية نحو الخضرة يحدث فرقًا بيئيًا موازيًا لأي فرق تنظيمي داخلي، وتوضح آلية الوساطة التكميلية المكتشفة كيف يتحول هذا التحول الثقافي إلى التزام فعلي لدى الموظفين، فالقيم الخضراء المعلنة تبني شعورًا بالدعم حين يراها الموظفون ممارسات حقيقية في توفير الموارد والسلامة البيئية وفرص المشاركة في مبادرات الاستدامة، ويستفيد المديرون من ذلك بخارطة طريق عملية تبدأ بتضمين الاستدامة في رؤية الشركة وعملياتها، وتمر ببناء قنوات دعم ملموسة كالتدريب البيئي والاعتراف بالمبادرات الخضراء، وتنتهي بالتزام تنظيمي أعلى واحتفاظ أفضل بالكفاءات، كما تفتح الدراسة سؤالًا بحثيًا عن حدود تعميم النتائج على قطاعات ودول أخرى، وعن إمكانات الوساطات الأخرى كالثقة التنظيمية والهوية الخضراء للموظف في تعميق فهمنا لكيفية ترجمة الثقافة الخضراء إلى سلوك والتزام داخل المنظمات المختلفة
وتكتسب هذه الوساطة التكميلية أهميتها من أنها ترسم للمديرين طريقًا ذا مسارين متوازيين لا يغني أحدهما عن الآخر، فبناء ثقافة خضراء معلنة في القيم والسياسات يحتاج إلى أن يقترن بدعم تنظيمي يشعر به الموظفون في حياتهم العملية، من تدريب وتقدير وموارد تتيح لهم ممارسة السلوك الأخضر دون عناء، وبهذا التلازم يتحول الالتزام التنظيمي من شعار إلى خبرة معيشة تعزز أداء الشركة واستدامتها معًا
وخلاصة القول إن العلاقة بين الثقافة التنظيمية الخضراء والالتزام التنظيمي علاقة تتغذى على قناتين متكاملتين، قناة القيم البيئية المشتركة وقناة الدعم الذي يدركه الموظفون من منظماتهم، وإن إدارة هاتين القناتين معًا تمثل مدخلًا عمليًا للمنشآت الصناعية الراغبة في الجمع بين الاستدامة البيئية وولاء مواردها البشرية وأدائها التنافسي








