تحمل الأنماط التقليدية في الثقافة الصينية دلالات جمالية وثقافية عميقة، ويأتي نمط التنين في مقدمتها بوصفه رمزًا ثقافيًا بارزًا تتعدد أشكاله وعناصره التصميمية، غير أن العلاقة بين عناصر تصميم هذه الأنماط والاستجابات الانفعالية للمتلقين وتفضيلاتهم لم تحظَ بدراسة كافية، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين عناصر تصميم أنماط التنين الصينية والاستجابات الانفعالية وتفضيلات المشاركين، مع فحص الفروق الجمالية بين المجموعات المبتدئة والمحترفة، بما يسد فجوة في الأدبيات حول ارتباط التفضيلات بالاستجابة الانفعالية الجمالية تجاه عناصر التصميم التقليدي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
شملت الدراسة مئة طالب جامعي صُنفوا إلى مجموعتين مبتدئة ومحترفة بحسب خبرتهم بالأنماط التقليدية، وقُدمت لهم سلسلة من منبهات أنماط التنين لتقييمها باستخدام مقياس التقييم الذاتي المصور، واعتمدت الدراسة برنامج إي برايم في تقديم المنبهات وضبط التجربة، ويمثل هذا البرنامج أداة لضبط عرض المنبهات البصرية وتسجيل استجابات المشاركين بدقة، ثم حللت البيانات باستخدام تحليل الانحدار الخطي المتعدد لفحص الخصائص البصرية التي تستثير الاستجابات الانفعالية والتفضيلات لدى المشاركين، والكشف عن أثر عناصر التصميم كالشكل والتبسيط والحدود في تشكيل التجربة الجمالية لدى كل مجموعة
وينتمي مقياس التقييم الذاتي المصور إلى أدوات قياس الانفعالات التي يعبر فيها المشارك عن استجابته باختيار صور تعبر عن حالته الانفعالية، بما يناسب دراسة التفاعل مع منبهات بصرية كأنماط التنين المعروضة، وقد راعى تصميم الدراسة ضبط الخبرة متغيرًا أساسيًا في التصنيف، فالمبتدئون ينظرون إلى الأنماط التقليدية بعين غير متخصصة، بينما يمتلك المحترفون معارف بالتراث البصري وعناصره تؤهلهم لقراءة التصميمات من زوايا فنية، وهذا التباين هو ما جعل المقارنة بين المجموعتين مفتاحًا لفهم أثر الخبرة في التذوق الجمالي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود ارتباط دال بين عناصر تصميم أنماط التنين وخبرة المشاركين واستجاباتهم الانفعالية وتفضيلاتهم، فقد كانت التباينات في أشكال التنين أكثر قدرة على استثارة الاستجابات الانفعالية لدى المجموعة المبتدئة والتأثير في خياراتها التفضيلية، بينما استثارت التصميمات المبسطة الاستجابات الانفعالية لدى المجموعة المحترفة، وبرز أثر استخدام الحدود الدائرية في أنماط التنين بصورة دالة في الاستجابات الانفعالية وتقييمات التفضيل لدى المجموعتين معًا، وهو ما يشير إلى أن التفضيل العام للحدود الدائرية يعكس مشتركًا في التذوق الجمالي يتجاوز فروق الخبرة، وتدل هذه النتائج على أن الخبرة بالأنماط التقليدية تعيد تشكيل طريقة معالجة المتلقي لعناصر التصميم واستجابته الانفعالية لها
وتشير نتيجة الحدود الدائرية إلى أن بعض العناصر البصرية تحمل جاذبية عابرة للخبرات، فالدائرة بوصفها إطارًا للنمط ربما منحت التصميم إحساسًا بالاكتمال والانسجام التقطته المجموعتان معًا رغم اختلاف خبرتيهما، وفي المقابل اختلف أثر الشكل والتبسيط بين المجموعتين اختلافًا يعكس طريقة كل منهما في الانتباه إلى التفاصيل، فالمبتدئ ينجذب إلى التنوع والتباين الواضح في الأشكال، بينما يقدر المحترف الاقتصاد البصري والاختزال الذي يكشف بنية النمط، وهذه الفروق الدقيقة هي ما ينبغي أن يبنى عليه تطوير الأنماط التراثية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى قيمة لتحديث تصميم أنماط التنين وتوظيفها في منتجات ثقافية معاصرة، وتسهم في الحفاظ على الثقافة الصينية واستدامتها عبر فهم أعمق لكيفية تفاعل المتلقين مع عناصرها البصرية، كما تؤكد أهمية فهم الجماليات الخاصة بكل ثقافة في ممارسات التصميم، إذ تختلف استجابات الجمهور باختلاف خبرته، ويترتب على ذلك أن يراعي المصممون تباين فئات المتلقين عند تطوير الأنماط التقليدية، وينبه ذلك إلى أن نقل الأنماط التراثية إلى منتجات معاصرة يتطلب اختبار استجابات الجمهور المستهدف وعدم الاكتفاء بالذوق التصميمي وحده، وتؤسس الدراسة نظريًا لبحوث مستقبلية تستكشف الفروق الجمالية والتجارب الانفعالية عبر خلفيات ثقافية متنوعة
وتتصل نتائج الدراسة بحقول أوسع كتعليم التصميم وتسويق المنتجات الثقافية، إذ يمكن لمعلمي التصميم توظيفها في تدريب الطلاب على قراءة استجابات الجمهور وعدم الاكتفاء بمعايير الجمال المجردة، كما يمكن لمنتجي الهدايا والمنتجات التراثية الاستفادة منها في اختيار عناصر الأنماط وتشكيلاتها بحسب فئة الجمهور المستهدف، فالتصميم الموجه للمبتدئين يحتفي بتنويع الأشكال، والموجه للمحترفين يحتفي بالاختزال والتبسيط، مع تثبيت الحدود الدائرية عنصرًا جامعًا يلقى قبولًا لدى الطرفين
وخلاصة القول إن عناصر تصميم أنماط التنين الصينية ترتبط ارتباطًا دالًا باستجابات المتلقين الانفعالية وتفضيلاتهم، وإن الخبرة تعدل هذه العلاقة إذ يستجيب المبتدئون لتباينات الشكل ويستجيب المحترفون للتبسيط، مع بقاء الحدود الدائرية عنصرًا مؤثرًا لدى الجميع، بما يوجه جهود تحديث هذا التراث البصري والحفاظ عليه








