حظي مفهوما التعلم الموجه ذاتيًا والكفاءة الذاتية بدراسة وافية في مجال التعليم، إذ تراكمت حولهما أدبيات واسعة تربطهما بالتحصيل والدافعية وجودة التعلم لدى الطلاب، غير أن هذا الاهتمام البحثي ظل محدودًا في مجال الرياضة حيث يواجه الرياضيون الجامعيون تحدي الموازنة بين متطلبات التدريب والمنافسة ومتطلبات الدراسة الأكاديمية، فالرياضي الجامعي مطالب بأن يتعلم بكفاءة ذاتية التوجيه في دراسته وهو مطالب في الوقت ذاته بالرضا عن تجربته الرياضية والمحافظة على أدائه في فريقه، ومن هنا تسد هذه الدراسة فجوة في الأدبيات عبر فحص العلاقة بين مواقف التعلم الموجه ذاتيًا والكفاءة الذاتية الأكاديمية ورضا الرياضيين لدى الرياضيين الجامعيين، مستكشفة ما إذا كانت قدرة الرياضي على توجيه تعلمه بنفسه تنعكس إيجابيًا على ثقته الأكاديمية ورضاه الرياضي معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباط بين مواقف التعلم الموجه ذاتيًا والكفاءة الذاتية الأكاديمية ورضا الرياضيين لدى الرياضيين الجامعيين، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا شارك فيه مائة وأربعة وثمانون رياضيًا جامعيًا، جُمعت بياناتهم باستبانة تتكون من مقاييس للتعلم الموجه ذاتيًا والكفاءة الذاتية ورضا الرياضيين، كما جمعت الدراسة بيانات نوعية من ستة رياضيين إضافيين لإثراء فهم النتائج الكمية وتفسيرها، وأجري تحليل عاملي استكشافي ونمذجة بنيوية لتحديد البنية العاملية للمقاييس الأولية المستخدمة، ثم أجري تحليل عاملي توكيدي للتحقق من مطابقة البنية العاملية المستخرجة للبيانات، وبذلك جمعت الدراسة بين بناء الأدوات والتحقق من صدقها وثباتها في السياق الرياضي وبين اختبار العلاقات النظرية المقترحة بين المتغيرات الثلاثة المدروسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن مواقف التعلم الموجه ذاتيًا أثرت تأثيرًا إيجابيًا في الكفاءة الذاتية الأكاديمية لدى الرياضيين الجامعيين وفي رضا الرياضيين على حد سواء، وأن هذا التأثير كان دالًا إحصائيًا عند مستويات عالية من الدلالة، فالرياضيون الذين يتمتعون بمواقف أقوى نحو توجيه تعلمهم بأنفسهم كانوا أكثر ثقة بقدراتهم الأكاديمية وأكثر رضا عن تجربتهم الرياضية مقارنة بغيرهم، وتشير هذه النتائج إلى أن التعلم الموجه ذاتيًا ليس مهارة دراسية محايدة بل مورد نفسي وتربوي يعبر حدود قاعة الدرس إلى الملعب، إذ يرتبط بثقة الرياضي في نفسه أكاديميًا وبمشاعره تجاه ممارسته الرياضية وانتمائه لفريقه، وهو ما يمنح تطوير هذه المواقف أهمية مضاعفة في البيئة الجامعية الرياضية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط نتائج الدراسة الضوء على أهمية التعلم الموجه ذاتيًا لدى الرياضيين الجامعيين وتقدم توجيهًا عمليًا للمدربين في مجال التعليم الرياضي، إذ تدعوهم إلى دعم مواقف التعلم الذاتي لدى لاعبيهم وتنميتها عبر أساليب تدريب وتوجيه تشجع الاستقلالية في التعلم وتحديد الأهداف ومراقبة التقدم، بدل أن يقتصر دور المدرب على الجوانب الفنية والبدنية، كما تفيد النتائج إدارات الأنشطة الرياضية الجامعية في تصميم برامج دعم أكاديمي للرياضيين تراعي تطوير مهارات التعلم الذاتي بوصفها مدخلًا لرفع الكفاءة الذاتية الأكاديمية ورضا الرياضيين معًا، بما ينعكس على استقرار الرياضي الجامعي وتحصيله ومشاركته الرياضية على نحو متوازن ومستدام
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء الضغوط المزدوجة التي يعيشها الرياضي الجامعي بين الالتزامات التدريبية والمنافسات من جهة والمتطلبات الدراسية من جهة أخرى، فامتلاكه مواقف قوية نحو التعلم الموجه ذاتيًا يعني امتلاكه أداة تنظيم ذاتي تساعده على إدارة وقته وجهده في المجالين معًا، ولهذا تتجه التطبيقات العملية للدراسة نحو إدماج تنمية التعلم الذاتي في برامج إعداد الرياضيين الجامعيين، وتدريب المدربين على اكتشاف هذه المواقف لدى لاعبيهم وتعزيزها بالمتابعة والتغذية الراجعة، وتصميم بيئات جامعية داعمة تجمع بين التفوق الرياضي والتحصيل الأكاديمي بدل الاضطرار إلى التضحية بأحدهما، بما يخدم الاستقرار النفسي والمهني للرياضي في مساره الجامعي وما بعده، وتشجع الجامعات على توفير مرشدين أكاديميين يتابعون الرياضيين ويساعدونهم على بناء خطط تعلم ذاتية واقعية تراعي جداول التدريب والمنافسات والاختبارات الدراسية معًا
وخلاصة القول إن هذه الدراسة فحصت لدى مائة وأربعة وثمانين رياضيًا جامعيًا العلاقة بين مواقف التعلم الموجه ذاتيًا والكفاءة الذاتية الأكاديمية ورضا الرياضيين، وأثبتت أن للتعلم الموجه ذاتيًا أثرًا إيجابيًا دالًا في المتغيرين كليهما، بما يؤكد أهميته في حياة الرياضي الجامعي ويقدم للمدربين والقائمين على التعليم الرياضي توجيهًا عمليًا لتطويره ودعمه في البيئات الجامعية الرياضية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








