تتيح وسائل التواصل الاجتماعي فضاء رقميًا يتواصل فيه الأفراد مع المؤثرين عبر الإنترنت كالمدونين وصناع المحتوى المرئي ومشاهير منصات الصور، وقد تحول هؤلاء المؤثرون إلى قناة تسويقية مؤثرة في قرارات الشراء لدى متابعيهم، وتتناول هذه الدراسة العوامل المؤثرة في نية الشراء لدى المستهلكين في سياق التسويق عبر المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، باحثة في الآليات الكامنة وراء هذا التأثير عبر نموذج متكامل يجمع بين مصداقية المصدر والعلاقات شبه الاجتماعية والخوف من فوات الفرصة، وهي مفاهيم تتقاطع في تفسيرها لقوة المؤثرين المتنامية في الأسواق الرقمية المعاصرة وسلوك المستهلكين داخلها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار نموذج متكامل يفسر كيفية تأثير خصائص المؤثرين في نية الشراء لدى المستهلكين، وأجرت مسحًا عبر الإنترنت شمل ثلاثمئة وخمسة وثلاثين مشاركًا من متابعي المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي لاختبار النموذج المقترح تجريبيًا، ووظفت نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية لتحليل نموذجي القياس والبنية، وقد بني النموذج على منظور مصداقية المصدر بأبعادها المتمثلة في الخبرة والجدارة بالثقة والتشابه مع الجمهور، وربطها بمتغيرين وسيطين هما الخوف من فوات الفرصة والعلاقات شبه الاجتماعية التي تنشأ بين المتابعين والمؤثرين، إضافة إلى الدور المعدل المفترض للإدراك العالي للصدفة السعيدة في العلاقة بين الخوف من فوات الفرصة ونية الشراء
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المؤثرين حين يدركون بوصفهم مصادر ذات مصداقية تتمتع بمستويات عالية من الخبرة والجدارة بالثقة والتشابه مع متابعيهم فإنهم يحفزون لدى المستهلكين الخوف من فوات الفرصة ويؤسسون معهم علاقات شبه اجتماعية، وهو ما يعزز بدوره نية الشراء لديهم، وتبين كذلك أن إدراك المستهلكين لمستوى عال من الصدفة السعيدة يقوي العلاقة بين الخوف من فوات الفرصة ونية الشراء، وبذلك يتكامل مساران نفسيان في تفسير سلوك الشراء، أحدهما عاطفي يقوم على القلق من تفويت الفرص، وآخر علائقي يقوم على رابطة شبه اجتماعية تنمو مع متابعة المؤثر والتفاعل المستمر مع محتواه عبر المنصات الرقمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توسع هذه الدراسة منظور مصداقية المصدر والعلاقات شبه الاجتماعية في سياق التسويق عبر المؤثرين بإدماجها أثر خوارزميات التوصية الذكية والقلق العاطفي الذي يعيشه المستهلكون، وتقدم بذلك مقاربة جديدة لتحليل دوافع المستهلكين لشراء المنتجات التي يوصي بها المؤثرون، وتنطوي النتائج على دلالات عملية للمسوقين والعلامات التجارية، إذ توجههم إلى اختيار مؤثرين يجمعون بين الخبرة الحقيقية والجدارة بالثقة والتشابه مع الجمهور المستهدف بدل الاكتفاء بعدد المتابعين، وإلى تصميم حملات تراعي المشاعر المرتبطة بفوات الفرصة دون إفراط يضر بثقة المستهلك، كما تنبه إلى دور خوارزميات التوصية في صناعة لحظات الاكتشاف العرضي التي تعزز أثر الحملات التسويقية
ويعني التكامل الذي يكشفه النموذج أن تأثير المؤثرين لا يعمل عبر قناة واحدة، فإلى جانب الرابطة شبه الاجتماعية التي تجعل المتابع يشعر بقرب شخصي من المؤثر ويثق بتوصياته، يعمل الخوف من فوات الفرصة محركًا عاطفيًا يدفع إلى الشراء قبل فوات العرض أو نفاده، وتضخم خوارزميات التوصية الذكية هذين المسارين حين تقدم منتجات المؤثرين في لحظات اكتشاف عرضي تبدو عفوية للمستهلك فتشتد رغبته في الشراء، ومن هنا تنبه الدراسة المسوقين إلى المسؤولية الأخلاقية المرافقة لتوظيف هذه الآليات، إذ إن الإفراط في إثارة قلق الفوات قد يقوض ثقة المستهلكين بالمؤثر والعلامة معًا على المدى الطويل، وتفتح النتائج أمام الباحثين آفاقًا لاختبار النموذج في سياقات ثقافية ومنصات مختلفة وفئات منتجات متنوعة، ولدراسة الفروق بين أجيال المستهلكين في استجابتهم لمصداقية المؤثرين ولحظات الصدفة السعيدة التي تصنعها الخوارزميات الذكية، وتزداد الحاجة إلى هذا الفهم مع توسع إنفاق العلامات التجارية على التسويق عبر المؤثرين وتحوله إلى قناة رئيسة للوصول إلى المستهلكين الشباب في الأسواق الرقمية المعاصرة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم نموذجًا متكاملًا موثقًا تجريبيًا لتفسير نية الشراء في حملات التسويق عبر المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ أثبتت أن مصداقية المؤثر بخبرته وجدارة ثقته وتشابهه مع جمهوره تحرك الخوف من فوات الفرصة وتبني علاقات شبه اجتماعية تعزز نية الشراء، وأن الصدفة السعيدة المدركة تقوي هذا الأثر، وبذلك تسهم الدراسة في تطوير فهم سلوك المستهلك الرقمي، وتزود المسوقين والباحثين بإطار عملي ونظري لبناء حملات مؤثرين أكثر فاعلية ومسؤولية في البيئة الرقمية المتسارعة








