شهد استخدام تقنية المعلومات والاتصالات نموًا كبيرًا عبر العالم بما فيه المملكة العربية السعودية، غير أن انعكاس هذا الانتشار على النمو الاقتصادي ليس تلقائيًا ولا متماثل الاتجاه في كل الأحوال، وتتناول هذه الدراسة العلاقة بين تقنية المعلومات والاتصالات والنمو الاقتصادي في المملكة مع ضبط أثر رأس المال البشري وجائحة كورونا في فترة تمتد من عام 1990 إلى عام 2021، متسائلة عما إذا كانت الصدمات الإيجابية والسلبية في انتشار التقنية تؤثر في النمو بالقدر نفسه والاتجاه ذاته، وهو تساؤل تكتسب الإجابة عنه أهمية عملية في ظل الاستثمارات الضخمة التي توجهها المملكة إلى بنيتها الرقمية ضمن تحولاتها الاقتصادية الواسعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقدير الآثار غير المتماثلة لانتشار تقنية المعلومات والاتصالات في النمو الاقتصادي السعودي، واعتمدت بيانات سلاسل زمنية سنوية امتدت من عام 1990 إلى عام 2021، ووظفت مقاربة نموذج الانحدار الذاتي غير الخطي ذي الفجوات المبطأة لالتقاط عدم التماثل بين الصدمات الإيجابية والسلبية، إضافة إلى تحليل انحدار التكامل المشترك للتحقق من متانة النتائج، وقد أتاحت هذه المقاربة اختبار وجود علاقة تكامل مشترك بين المتغيرات في الأجل الطويل، والتمييز بين أثر تراجع انتشار التقنية وأثر توسعها في الناتج الاقتصادي، مع إدخال رأس المال البشري متغيرًا ضابطًا ومراعاة صدمة جائحة كورونا التي عطلت الأنشطة الاقتصادية المعتادة في المملكة
ثانيًا: أبرز النتائج
أثبت تقدير النموذج وجود علاقة تكامل مشترك بين المتغيرات، وتبين أن أثر الصدمات السلبية في تقنية المعلومات والاتصالات في النمو الاقتصادي كان إيجابيًا وأكبر نسبيًا، في حين ولدت الصدمات الإيجابية أثرًا سلبيًا وأقل حجمًا إلى حد ما، وبقي الأثر الكلي إيجابيًا، وتفسر الدراسة ذلك بأن التقنية في مرحلة توسعها لا تستطيع الإسهام إيجابيًا في النمو ربما بسبب نقص رأس المال البشري الماهر اللازم لإدارة أدواتها وتوظيفها، وهو ما يدعمه معامل رأس المال البشري الإيجابي غير الدال، كما تبين أن رأس المال المادي والبشري لم يؤثرا تأثيرًا دالًا في النمو رغم الجهود السعودية السخية، وأن جائحة كورونا أعاقت الأنشطة الاقتصادية المعتادة وأضرت بالنمو، وقد أكدت انحدارات التكامل المشترك متانة نتائج النموذج الرئيس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات سياساتية مباشرة، إذ ينبغي لصناع السياسات إعادة تقويم البنية التحتية القائمة لتقنية المعلومات والاتصالات والشروع في رفع قدرات رأس المال البشري عبر التدريب العملي والتعليم، حتى تجنى ثمار انتشار التقنية أثرًا إيجابيًا في النمو الاقتصادي، فالاستثمار في الشبكات والأجهزة وحده لا يكفي ما لم يقترن بكفاءات قادرة على إدارتها وتحويلها إلى إنتاجية فعلية، كما تدعو النتائج إلى التخطيط لمرحلة توسع التقنية بوصفها مرحلة بناء قدرات قد تسبق ظهور العوائد، وتوفر الدراسة بذلك إطارًا تحليليًا يفيد مخططي التحول الرقمي في المملكة وغيرها من الاقتصادات الساعية إلى مواءمة استثماراتها التقنية مع تنمية مواردها البشرية
وتبرز أهمية هذه النتائج في توقيتها، إذ تتزامن مع تسارع استثمارات المملكة في الاقتصاد الرقمي، فهي تنبه إلى أن عوائد هذه الاستثمارات مشروطة بمواكبة بشرية موازية، وأن الفجوة بين نشر التقنية وتأهيل مستخدميها قد تفسر جانبًا من ضعف انعكاس التحول الرقمي على مؤشرات النمو الكلي، كما أن إظهار الدراسة لأثر جائحة كورونا السلبي في النمو يذكر بضرورة بناء مرونة اقتصادية تجعل البنية الرقمية ورأس المال البشري خط دفاع أول في مواجهة الصدمات الخارجية، ويستطيع باحثون آخرون البناء على هذه النتائج بتوسيع نطاق التحليل إلى قطاعات اقتصادية منفصلة أو إلى فترات أحدث تشمل برامج التحول الرقمي الجارية، للتحقق مما إذا كان عدم التماثل المرصود قد بدأ يتلاشى مع نضج القدرات البشرية المؤهلة لإدارة أدوات التقنية وتوظيفها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تكشف طبيعة غير متماثلة للعلاقة بين تقنية المعلومات والاتصالات والنمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من عام 1990 إلى عام 2021، إذ اختلف أثر الصدمات السلبية عن أثر الصدمات الإيجابية حجمًا واتجاهًا مع بقاء الأثر الكلي إيجابيًا، وأظهرت أن ضعف أثر رأس المال البشري يحد من عوائد التوسع التقني، وبذلك تسهم الدراسة في تعميق فهم شروط تحويل الانتشار الرقمي إلى نمو اقتصادي حقيقي، وتؤكد أن الاستثمار المتوازي في الإنسان والتقنية هو الطريق الأضمن لتحقيق هذا التحول








