تسعى مؤسسات التعليم العالي في الاقتصادات النامية إلى رفع أدائها المؤسسي في بيئة تنافسية متصاعدة، ويبرز في هذا السعي عاملان متداخلان هما الثقافة التعاونية التي تشجع العمل الجماعي وتبادل المعرفة، وعمليات إدارة المعرفة التي تحول المعرفة الفردية إلى أصل مؤسسي، غير أن العلاقة بين هذين العاملين والأداء التنظيمي ما تزال تحتاج إلى توضيح أدق، وبخاصة ما إذا كانت إدارة المعرفة مجرد رفيق للثقافة التعاونية أم قناة تنقل أثرها إلى الأداء فعلًا، ومن سياق جنوب آسيا النامي، وتحديدًا نيبال، تأتي هذه الدراسة لتختبر الدور الوسيط لعمليات إدارة المعرفة بين الثقافة التعاونية والأداء التنظيمي في مؤسسات التعليم العالي
فالجامعات مؤسسات كثيفة المعرفة بطبيعتها، تنتج المعرفة وتنقلها، لكنها لا تدير دائمًا معرفتها الداخلية بكفاءة، إذ تبقى خبرات أعضاء هيئة التدريس حبيسة الأقسام والأفراد ما لم توجد ثقافة تشجع التبادل وعمليات تنظم اكتساب المعرفة ومشاركتها وتطبيقها، ومن هنا تنبع أسئلة الدراسة عن العلاقة بين هذين المستويين وبين ما يظهر في النهاية من أداء مؤسسي قابل للملاحظة والقياس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تحليل الدور الوسيط لعمليات إدارة المعرفة بين الثقافة التعاونية والأداء التنظيمي في مؤسسات التعليم العالي، وقد أجري مسح باستبانة منظمة شمل مائتين وستة وثلاثين عضوًا من أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات تعليم عال معتمدة الجودة، من أصل خمسمائة وثمانين عضو هيئة تدريس متفرغًا، وحللت الدراسة العلاقات بين متغيراتها في ضوء نظرية الرؤية القائمة على المعرفة ونظرية التفكير النظمي، ففحصت الأثر المباشر لعمليات إدارة المعرفة في الأداء، وأثرها الوسيط بين الثقافة التعاونية والأداء، ومساهمة العمل الجماعي والتنوع في الأداء عبر القنوات غير المباشرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن عمليات إدارة المعرفة أثرت إيجابيًا في الأداء التنظيمي لمؤسسات التعليم العالي، وأنها توسطت العلاقة بين الثقافة التعاونية والأداء التنظيمي، أي إن الثقافة التعاونية لا ترفع الأداء بذاتها فحسب، بل عبر ما تولده من عمليات منظمة لاكتساب المعرفة ومشاركتها وتطبيقها، كما أسهم العمل الجماعي والتنوع إسهامًا غير مباشر في الأداء التنظيمي عبر هذه القنوات، وبذلك تتكامل الصورة بأن بناء ثقافة تعاونية دون عمليات إدارة معرفة فعالة يترك جزءًا كبيرًا من أثره المحتمل غير متحقق
وتضيف هذه النتائج قيمة نظرية مهمة، إذ إن إثبات الدور الوسيط لعمليات إدارة المعرفة بتطبيق نظرية الرؤية القائمة على المعرفة ونظرية التفكير النظمي يقدم تفسيرًا آلياتيًا لكيفية تحول القيم التعاونية إلى نتائج مؤسسية قابلة للملاحظة، وهو إسهام يكتسب وزنًا إضافيًا لصدوره من سياق الاقتصادات النامية في جنوب آسيا، حيث تعمل مؤسسات التعليم العالي بموارد محدودة وتحتاج إلى مداخل تحسين منخفضة الكلفة نسبيًا كتنظيم المعرفة الداخلية واستثمارها
ويتسق هذا التفسير مع ما تذهب إليه نظرية الرؤية القائمة على المعرفة من أن الميزة المؤسسية تنبع من قدرة المنظمة على دمج المعارف المتفرقة لدى أفرادها في قدرة جماعية، ومع ما يؤكده التفكير النظمي من أن أثر العناصر لا يُفهم منفردًا بل من تفاعلها داخل الكل، فالثقافة التعاونية وقود، وإدارة المعرفة محرك ينقل هذا الوقود إلى حركة فعلية تظهر في صورة أداء مؤسسي أفضل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد دلالات هذه الدراسة صناع السياسات وسلطات مؤسسات التعليم العالي بأن الأولوية ينبغي أن تتجه إلى استكشاف التعاون الداخلي وتعزيزه، ورفع كفاءة عمليات إدارة المعرفة بوصفها رافعة للأداء المحسّن، فبناء منصات لتبادل المعرفة بين أعضاء هيئة التدريس، وتوثيق الخبرات المؤسسية، وتشجيع العمل الجماعي والتنوع، كلها استثمارات تنعكس على الأداء عبر قناة إدارة المعرفة، كما تنبه النتائج قادة الجامعات إلى أن قياس الثقافة وحده لا يكفي، بل لا بد من مؤشرات لعمليات المعرفة ذاتها تُتابع وتُطوّر باستمرار
وتزداد أهمية هذه المداخل في الجامعات ذات الموارد المحدودة التي لا تستطيع المنافسة بالإنفاق وحده، فإدارة المعرفة استثمار تنظيمي منخفض الكلفة نسبيًا يعتمد على إعادة توظيف ما تملكه المؤسسة أصلًا من خبرات بشرية، وإذا أُحسن بناؤه تراكمت آثاره مع الزمن وتحولت الثقافة التعاونية من شعار معلن إلى قدرة مؤسسية مستدامة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة أثبتت أن عمليات إدارة المعرفة تؤثر إيجابيًا في أداء مؤسسات التعليم العالي في نيبال وتتوسط العلاقة بين الثقافة التعاونية وهذا الأداء، بما يقدم لصناع القرار مدخلًا عمليًا واضحًا يتمثل في بناء التعاون الداخلي وتنظيم المعرفة المؤسسية طريقًا مختصرًا نسبيًا نحو أداء جامعي أفضل
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








