يمثل الصراع بين العمل والأسرة معضلة عالمية قديمة العهد تترك آثارًا سلبية واضحة في أداء العاملين وأسرهم ومنظماتهم على حد سواء، وتشتد حدة هذه المعضلة حين يكون مجال العمل هو الهندسة، وحين تكون العاملة امرأة، وحين تتطلب بيئة العمل مهام شاقة وميدانية، وهي شروط تجتمع في تجربة المهندسات العاملات في اليمن بدرجة لافتة، إذ يواجهن مطالب مهنية ثقيلة في بيئات ذكورية الطابع، وأعباء أسرية واجتماعية متزايدة، وسياقًا عامًا مثقلًا بانخفاض الأجور والأزمات الاقتصادية والسياسية، وفي هذا الإطار تأتي هذه الدراسة المسحية لتفحص تصورات المهندسات العاملات في اليمن لعلاقات العمل والأسرة والهندسة، ولتكشف العوامل المؤثرة في توازنهن المهني والأسري، ولا ينعكس هذا الصراع على المرأة العاملة وحدها، بل يمتد إلى أسرتها ورضاها الوظيفي واستقرارها النفسي، ويشكل أحد مداخل فهم ارتفاع معدلات تحول النساء عن المهن الهندسية إلى مهن أخرى أقل إجهادًا ميدانيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص صراع العمل والأسرة في البيئة الهندسية لدى المهندسات، ودراسة عدد من القضايا المتصلة بالمرأة العاملة في اليمن، وقد وجه الباحثون ثلاث استبانات إلى ثلاث فئات مرتبطة بالظاهرة، استهدفت الأولى 130 من خريجات الهندسة، واستهدفت الثانية 60 مهندسًا من ذوي الخبرة، واستهدفت الثالثة 20 من أزواج المهندسات، وتناولت الاستبانات محاور الأداء التعليمي وفرص العمل واستمراريته واتجاهات التأثير المتبادل بين الأسرة والعمل والأجور وظروف التوظيف، بما أتاح مقاربة الظاهرة من زوايا أطرافها المباشرين كافة، وربط تصورات المهندسات أنفسهن بتصورات أصحاب الخبرة المهنية وبتصورات شركائهن في الحياة الأسرية، وتناولت المحاور أيضًا توزع المهندسات على القطاعات المختلفة وطبيعة وظائفهن الراهنة ومدى ارتباطها بتخصصاتهن الجامعية
ثانيًا: أبرز النتائج
دلت النتائج على أن الزواج يرتبط بقوة وبصورة سلبية بالأداء التعليمي وفرص العمل واستمرارية العمل لدى المهندسات، وأن التداخلات المتجهة من الأسرة إلى العمل أكثر وضوحًا من التداخلات المتجهة من العمل إلى الأسرة في المجتمعات المحافظة، كما بينت النتائج أن عوامل خارجية عدة، منها انخفاض المكافآت والتراجع الاقتصادي والأزمات السياسية، تؤثر سلبًا في فرص العمل وامتداداته إلى الحياة الأسرية، وكشف اكتشاف مهم أن متوسط أجر المهندسات في اليمن يبلغ 145 دولارًا أمريكيًا، وهو أجر يقل بنحو 3.822 مرة عن أجر نظرائهن من المهندسين، كما أظهرت نتائج المسح أن المهندسات العازبات وحدهن يعملن حاليًا في قطاعي الصناعة والبناء دون المتزوجات، وأن أغلب خريجات الهندسة يعملن في وظائف لا صلة لها بالهندسة، فيما توازن المهندسات العاملات بين مسؤولياتهن المهنية ومهام المنزل والالتزامات الاجتماعية في آن واحد، وتفيد هذه الصورة بأن الخسارة مزدوجة، إذ تخسر المهندسات فرص التطور المهني والدخل العادل، ويخسر سوق العمل في الوقت نفسه كفاءات مدربة كلف إعدادها المجتمع والجامعات سنوات من التعليم المتخصص
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن المجتمع يحتاج إلى تطبيق سياسات تخفف الضغوط عن عمل المرأة وتشجع الأسر ذات الدخل المزدوج وتدعمها بما يعزز دخل الأسرة، وتوصي المنظمات بأن توفر جداول عمل مرنة، وأن تتيح خيارات العمل عن بُعد، وأن تهيئ بيئة عمل صحية تعالج اختلال التوازن بين العمل والأسرة، ولا سيما في البيئات التي يهيمن عليها الرجال، كما تفتح النتائج الباب أمام إعادة النظر في هياكل الأجور المجحفة بالمهندسات، وفي سياسات توظيف تراعي خصوصية العاملات في القطاعات الميدانية الشاقة، وتدعو إلى بحوث لاحقة تتوسع في فحص تجارب المهندسات في سياقات عربية مشابهة ومقارنتها بما توصلت إليه هذه الدراسة في الحالة اليمنية، وتبرز أهمية الدراسة في كونها توثق هذه الظاهرة بأدلة مسحية من ثلاث فئات متكاملة الرؤى، فلا تكتفي بصوت المهندسات وحده، بل تستحضر تقييم المهندسين من ذوي الخبرة وشهادات الأزواج الذين يعايشون كلفة الصراع داخل الأسرة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة توثق صورة مركبة لمعاناة المهندسات في اليمن مع صراع العمل والأسرة، إذ يجدن أنفسهن بين مطالب مهنة شاقة وأجور متدنية تتضاءل قياسًا إلى أجور زملائهن الرجال، وضغوط أسرية تشتد بعد الزواج حتى تدفع كثيرات منهن خارج ميدان تخصصهن، وتؤكد الدراسة أن معالجة هذا الاختلال مسؤولية مشتركة بين المجتمع والمنظمات عبر سياسات مرنة وداعمة تعيد للمهندسات فرصتهن العادلة في العمل والإسهام المهني، وأن معالجة أسباب هذا الاختلال البنيوية شرط لاستبقاء الكفاءات النسائية في القطاعات الهندسية والإنتاجية








