تتسارع في السنوات الأخيرة محاولات توجيه السلوك الغذائي نحو خيارات أكثر استدامة من الناحية البيئية، ومن أبرز أدواتها وضع ملصقات كربونية على قوائم طعام المطاعم تبين للزبون مقدار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بكل طبق قبل اختياره، على أمل أن تدفعه هذه الشفافية المعلوماتية إلى تجنب الأطباق عالية الانبعاثات، غير أن فاعلية هذه الأداة واستمرارية أثرها بعد إزالتها من القوائم ما يزالان موضع تساؤل علمي، كما أن العوامل النفسية التي تقف خلف استجابة المستهلكين لها لم تحظ بفحص كاف، وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة التجريبية لتختبر أثر الملصقات الكربونية في اختيارات الأطباق وانبعاثاتها، ولتبحث في الوقت نفسه علاقة مفاهيم نظرية السلوك المخطط بهذه الاختيارات في حالتي حضور الملصقات وغيابها، وتستند فكرة الملصقات إلى منطق الإفصاح البيئي الذي يفترض أن المستهلك حين يعرف الكلفة البيئية لخياراته يعيد ترتيب تفضيلاته، وقد طبقت صيغ مشابهة في مجالات أخرى، لكن انتقالها إلى قوائم الطعام ما يزال حديثًا نسبيًا يحتاج إلى أدلة تجريبية ترصد أثره بدقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر الملصقات الكربونية في اختيارات الأطباق داخل المطاعم وما يرتبط بتلك الاختيارات من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وإلى تحديد كيفية ارتباط مفاهيم نظرية السلوك المخطط، وهي الاتجاه والمعيار الذاتي والتحكم السلوكي المدرك، باختيارات الأطباق في حالتي وجود الملصقات الكربونية وغيابها، كما سعت الدراسة إلى تتبع كيفية تعدل سلوك اختيار الأطباق بعد إزالة الملصقات الكربونية من القوائم، لمعرفة ما إذا كانت آثارها تستمر أم تتراجع بزوالها، وقد طبقت الدراسة الشروط التجريبية داخل الأفراد أنفسهم بقياسات متكررة، إذ شارك في التجربة عبر الإنترنت 254 مشاركًا اختار كل منهم طبقًا واحدًا من ثماني قوائم طعام افتراضية، تضمنت بعض القوائم ملصقات كربونية رقمية على نمط إشارات المرور الملونة، في حين خلت القوائم الأخرى من أي ملصقات، ثم قورنت اختيارات المشاركين وانبعاثات الأطباق التي اختاروها بين الحالتين، وأتاح هذا التصميم مقارنة اختيار كل مشارك في الحالتين مقارنة مباشرة تستبعد أثر الفروق الفردية بين المشاركين، وقيس أثر الملصقات بمؤشرين رئيسين هما نسبة اختيار الأطباق عالية الانبعاثات ومتوسط الانبعاثات المصاحبة للطبق المختار
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الملصقات الكربونية قللت كما كان متوقعًا نسبة اختيارات الأطباق عالية الانبعاثات، وخفضت متوسط انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لكل طبق جرى اختياره، غير أن الفحص الدقيق بين أن هذا الأثر يعزى بصورة رئيسة إلى زيادة اختيارات الأطباق عالية الانبعاثات بعد إزالة الملصقات الكربونية من القوائم، بما يشير إلى حدوث أثر ارتدادي يجعل فاعلية الملصقات مقيدة بزمن حضورها أمام المستهلك، كما أظهرت النتائج أن الاتجاه نحو السلوك والتحكم السلوكي المدرك أسهما في تفسير اختيارات الأطباق التي أعقبت عرض الملصقات الكربونية، في حين لم يسهم المعيار الذاتي في هذا التفسير، بما يدل على أن ارتباط الضغط الاجتماعي المدرك بنية تناول الطعام يتداخل مع أثر الملصقات الكربونية نفسها ولا يقدم تفسيرًا مستقلًا يضاف إليه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تناقش الدراسة في ضوء هذه النتائج أن فائدة الملصقات الكربونية على قوائم طعام المطاعم محدودة إلى حد ما، فالأثر الإيجابي الذي تحققه في خفض الانبعاثات لا يصمد بعد إزالتها، بل قد ينعكس جزئيًا في صورة ارتداد يعيد المستهلكين إلى اختيارات أعلى انبعاثًا مما كانت عليه قبل التجربة، وهو ما يستدعي من صانعي السياسات وإدارات المطاعم عدم التعويل على الملصقات أداة وحيدة لتوجيه السلوك الغذائي، وإنما دمجها في حزم أوسع من التدخلات التي ترسخ الاتجاهات الإيجابية نحو الغذاء المستدام وتدعم شعور المستهلكين بقدرتهم على التحكم في خياراتهم، كما تفتح هذه النتائج الباب أمام أبحاث مستقبلية تختبر صيغًا بديلة لعرض المعلومات البيئية وتتتبع آثارها على مدى أطول وفي بيئات طعام حقيقية لا افتراضية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا دقيقًا على أن الملصقات الكربونية قادرة على خفض انبعاثات الأطباق المختارة في المطاعم أثناء حضورها على القوائم، لكن أثرها يظل مشروطًا بهذا الحضور ويرتد بعد إزالتها، وأن الاتجاه والتحكم السلوكي المدرك هما المفسران الأبرزان لاستجابة المستهلكين لها دون المعيار الذاتي، بما يجعل الاعتماد عليها وحدها خيارًا محدود الجدوى يحتاج إلى تدخلات مكملة أرسخ أثرًا في تغيير السلوك الغذائي نحو الاستدامة








