تبحث هذه الدراسة في الانتقال من اليقظة الريادية الرقمية إلى النية في تأسيس المشروعات الناشئة الرقمية لدى الشباب السعودي، وصلته بكل من الرغبة المدركة والجدوى المدركة والنية، وتنطلق من أن البيئة الرقمية فتحت مجالات واسعة لريادة الأعمال في الاقتصادات الناشئة، غير أن العمليات الذهنية التي تصل بين إدراك الفرصة والشروع الفعلي في العمل ما تزال بحاجة إلى توضيح، فكثير من الشباب يلمحون الفرص ولا يتحولون إلى مؤسسين، وتكتسب الدراسة أهميتها من تركيزها على الشباب السعودي المنخرط في ريادة الأعمال الرقمية في اقتصاد انتقالي يشهد تحولًا رقميًا متسارعًا ودعمًا متناميًا للمشروعات الناشئة وصناعة محتوى وخدمات رقمية آخذة في الاتساع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج وساطة يفسر تحول اليقظة الريادية الرقمية إلى سلوك تأسيس فعلي للمشروعات الرقمية، مستندة إلى نظرية السلوك المخطط ونموذج الحدث الريادي أساسين نظريين للنموذج، وجمعت البيانات من 571 شابًا سعوديًا منخرطًا في ريادة الأعمال الرقمية، واختبرت النموذج باستخدام نمذجة المعادلات البنائية عبر برنامج أموس، وفحصت الدراسة الوساطات المتسلسلة التي تربط اليقظة بالرغبة المدركة والجدوى المدركة ثم بالنية ثم بالسلوك الفعلي، بما يتيح التمييز بين الوساطة الجزئية والوساطة الكاملة في مسارات النموذج المختلفة، ويتيح كذلك اختبار امتداد نموذج الحدث الريادي ليشمل يقظة رقمية سابقة على النية، وهو امتداد نظري لم يقم إلا على أدلة محدودة في الاقتصادات الناشئة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن اليقظة الريادية الرقمية تتمتع بقدرة تنبؤ قوية بالنية في بدء المشروعات الرقمية، وأن هذا الأثر تتوسطه جزئيًا الرغبة المدركة والجدوى المدركة، فإدراك الشاب جاذبية الفرصة الرقمية وإحساسه بقدرته على تنفيذها قناتان تحملان أثر يقظته إلى نيته، غير أن النية توسطت بصورة كاملة العلاقة بين اليقظة والرغبة والجدوى من جهة والسلوك الريادي الرقمي الفعلي من جهة أخرى، بما يعني أن الإدراكات السابقة لا تتحول إلى فعل تأسيسي إلا عبر بوابة النية، وتثبت الدراسة بذلك صلاحية نموذج الحدث الريادي وتؤكد قابليته للامتداد ليشمل اليقظة الريادية الرقمية سابقة أساسية للنوايا الريادية الرقمية، وتزيل الغموض عن العمليات الذهنية التي تصل بين إدراك الفرصة والفعل ولاسيما في الاقتصادات الناشئة، حيث تتشابك الفرص الرقمية مع قيود التمويل والمهارات والخبرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو الدراسة صانعي السياسات والمعلمين في المملكة العربية السعودية إلى تعزيز انتباه الشباب للفرص الرقمية وتضخيم إدراكاتهم للرغبة والجدوى لحفز انخراطهم في المشروعات الرقمية، إذ إن اليقظة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بقناعة بجاذبية المشروع وقدرة على تنفيذه، وتبرز الدراسة النية بوصفها البوابة الحاسمة بين الإدراك الريادي ونجاح المشروعات الناشئة الرقمية الملموس، وهو ما يوجه برامج دعم ريادة الأعمال نحو بناء النوايا الجادة عبر التدريب والإرشاد وإتاحة نماذج ناجحة وحاضنات أعمال جامعية ومجتمعية، كما تضيف الدراسة إلى أدبيات ريادة الأعمال الرقمية فهمًا أدق لقرارات الشباب في البلدان الانتقالية مثل السعودية عند اختيارهم متابعة ريادة الأعمال الرقمية وتحويل أفكارهم إلى كيانات عاملة في السوق
وتنطوي الوساطة الجزئية للرغبة والجدوى على معنى عملي دقيق، فهي تعني أن اليقظة تؤثر في النية عبر قنوات أخرى إضافية لم يحصرها النموذج، وأن برامج التنمية الريادية ينبغي ألا تقتصر على إثارة الطموح ودراسات الجدوى بل تشمل تنمية الانتباه المنهجي للفرص في الأسواق الرقمية ذاتها، أما الوساطة الكاملة للنية فترسل تحذيرًا واضحًا لمصممي برامج الدعم مفاده أن حملات التوعية التي لا تنتهي بخطط ونوايا محددة لدى الشاب لن تتحول إلى مشروعات قائمة، ويعطي إثبات صلاحية نموذج الحدث الريادي في سياق رقمي سعودي الباحثين أساسًا لاختبار متغيرات إضافية مثل الدعم المؤسسي والتمويل والمهارات التقنية في نماذج لاحقة، ويجعل من الجامعات والحاضنات ساحات طبيعية لتطبيق النموذج وتحويل يقظة الشباب إلى نوايا قابلة للتنفيذ، وأن تقاس مخرجات هذه البرامج بما تولده من نوايا جادة ومشروعات فعلية لا بعدد المستفيدين من الورش التدريبية وحدها
وخلاصة القول إن اليقظة الريادية الرقمية لدى الشباب السعودي تتحول إلى سلوك تأسيسي عبر مسار ذهني متسلسل تتوسطه الرغبة والجدوى جزئيًا والنية كليًا، بما يجعل تنمية اليقظة وبناء النية معًا مدخلين متكاملين لسياسات وبرامج دعم المشروعات الرقمية الناشئة








