يواجه المهاجرون غير الموثقين هشاشة اجتماعية واقتصادية وصحية كبيرة تتفاقم حدتها في أوقات الأزمات العالمية كجائحة كورونا، ويبرز في مقدمة هذه التحديات انعدام الأمن الغذائي، ولا سيما لدى مهاجرين يفتقرون إلى الوضع القانوني والحماية الاجتماعية والوصول إلى الخدمات الأساسية، وتتصدى هذه الدراسة لفحص انتشار انعدام الأمن الغذائي وآليات التكيف المرتبطة بسلوك البحث عن الغذاء لدى المهاجرين البنغلاديشيين غير الموثقين المقيمين في ماليزيا والعراق وليبيا أثناء الجائحة، من زاوية خبراتهم المعيشة كما يروونها بأنفسهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية اختبار المهاجرين البنغلاديشيين غير الموثقين لانعدام الأمن الغذائي أثناء جائحة كورونا، والكشف عن سلوكيات البحث عن الغذاء التي لجأوا إليها للتكيف مع أوضاعهم، واعتمدت الدراسة مقاربة نوعية هي التحليل الظاهراتي التفسيري، إذ أجرت مقابلات مع سبعة وعشرين مهاجرًا بنغلاديشيًا غير موثق يقيمون في ثلاث دول مضيفة هي ماليزيا والعراق وليبيا، وجمعت بين تقنية استقرائية مدفوعة بالبيانات في ترميز المادة وتحليلها، واتبعت عملية التحليل الظاهراتي التفسيري المكونة من ست خطوات، بما أتاح الغوص في المعاني التي يضفيها المهاجرون على تجربة الجوع والحرمان واستراتيجيات مواجهتها، بدل الاكتفاء برصد أرقام الانتشار ومعدلاته
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت الدراسة أن جائحة كورونا أثرت تأثيرًا كبيرًا في الأمن الغذائي للمهاجرين غير الموثقين، تمثل في عدم توافر الغذاء وصعوبة الوصول إليه وتراجع الاستهلاك والاعتماد المتزايد على أغذية أرخص ثمنًا وأقل قيمة غذائية، ووصولًا إلى معايشة الجوع والحرمان الشديد، وأظهرت النتائج أن المهاجرين تبنوا للتكيف مع هذه الأوضاع سلوكيات متنوعة للبحث عن الغذاء، في مقدمتها تلقي الدعم من الأصدقاء والأقارب، والاقتراض، وطلب المساعدة الغذائية من مصادر مختلفة، وبيع الممتلكات الشخصية، وهي استراتيجيات تعكس في مجملها غياب شبكات الحماية الرسمية عن هذه الفئة، واضطرارها إلى استنزاف مواردها الاجتماعية والمادية المحدودة أصلًا من أجل تأمين قوتها اليومي في ذروة الأزمة الصحية العالمية
وتكشف شهادات المهاجرين أن انعدام الأمن الغذائي لم يكن مجرد نقص في الطعام، بل تجربة مركبة تمس الكرامة والهوية الاجتماعية، إذ اضطر كثير منهم إلى إخفاء أوضاعهم عن أسرهم في الوطن الأم والاكتفاء بوجبات هزيلة مع الاستمرار في إرسال ما تيسر من دعم مالي، بما ضاعف أعباءهم النفسية، كما أبرزت النتائج دور الشبكات غير الرسمية من الأصدقاء والأقران والأقارب بديلًا وحيدًا عن أنظمة حماية اجتماعية لا تشملهم، وهي شبكات هشة بطبيعتها لأنها تجمع أفرادًا يعانون الظروف القاسية ذاتها في سوق عمل تأثر بشدة بإجراءات الإغلاق والتباطؤ الاقتصادي المصاحب للجائحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز نتائج الدراسة مدى هشاشة المهاجرين غير الموثقين في أوقات الأزمات، وتشير إلى الحاجة إلى تدخلات سياساتية موجهة لتعزيز الأمن الغذائي لهذه الفئة المهمشة، وتقدم الدراسة رؤى نقدية لصناع السياسات والمنظمات الإغاثية وأصحاب المصلحة لتطوير استراتيجيات وسياسات فعالة تخفف من انعدام الأمن الغذائي لدى المهاجرين غير الموثقين، بما يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام ألفين وثلاثين، كما تؤكد الدراسة أن خطط الاستجابة للأزمات الصحية والاقتصادية لا تكتمل ما لم تشمل الفئات غير المرئية قانونيًا، وأن البيانات النوعية المستندة إلى أصوات المهاجرين أنفسهم أداة لا غنى عنها لتصميم تدخلات واقعية تستجيب لاحتياجاتهم الفعلية لا المفترضة
وتضيف الدراسة إلى أدبيات الهجرة والصحة العامة بتوثيقها البعد الغذائي في حياة المهاجرين غير الموثقين في دول مضيفة قلما تدرس معًا، وهي ماليزيا والعراق وليبيا، مظهرة أن الأزمة الصحية العالمية الواحدة تتفرع آثارها بحسب أنظمة الاستقبال والعمل والحماية في كل دولة، ومن ثم فإن الاستجابات الفعالة يجب أن تصمم محليًا بمشاركة المنظمات المجتمعية العاملة قرب هذه الفئة، وأن تشمل آليات توزيع غذائي لا تشترط إثبات الوضع القانوني، حتى لا يتحول طلب الغذاء ذاته إلى مخاطرة بالإبعاد أو الوصم
وخلاصة القول إن الدراسة وثقت بمنهج نوعي معمق كيف عمقت جائحة كورونا انعدام الأمن الغذائي لدى المهاجرين البنغلاديشيين غير الموثقين في ثلاث دول مضيفة، وكيف واجهوه باستراتيجيات تكيف مكلفة اجتماعيًا وماديًا، بما يجعل نتائجها نداءً موثقًا إلى صناع السياسات والمنظمات الإنسانية لإدراج هذه الفئة في شبكات الحماية الغذائية والاجتماعية في الأزمات وما بعدها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








