يحظى استقرار القطاع المصرفي بأهمية قصوى في الاقتصادات الناشئة، بوصفه القناة الرئيسة لتمويل النشاط الاقتصادي ونقل أثر السياسات النقدية، غير أن المخاطر التشغيلية التي تنشأ من قصور العمليات الداخلية أو الأخطاء البشرية أو أعطال الأنظمة كثيرًا ما تُعامل بوصفها شأنًا داخليًا لكل بنك على حدة، في حين قد تتحول صدماتها إلى مخاطر نظامية تمس الاقتصاد كله، وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة لتفحص المخاطر التشغيلية النظامية في القطاع المصرفي المغربي بأدوات قياسية متقدمة، مقدّمة أدلة تجريبية جديدة عن محددات هذه المخاطر في الأسواق الناشئة، ومبرزة كيف تتفاعل الديناميات المالية الكلية مع متانة البنوك عبر الزمن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس المخاطر التشغيلية النظامية في القطاع المصرفي المغربي وتحليل تفاعلها مع المتغيرات الاقتصادية الكلية، واعتمدت نموذج الانحدار الذاتي المتجه للبيانات الطولية المقطعية، المعروف اختصارًا بنموذج بانل في أيه آر، استنادًا إلى بيانات ثلاثة بنوك على مدى عشر سنوات، وضمت متغيرات النموذج الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وسعر الفائدة بين البنوك والائتمان المصرفي، إلى جانب مؤشرات للمخاطر التشغيلية ومخاطر الائتمان ومخاطر السيولة، واستخدمت دوال الاستجابة للصدمات لقياس أثر صدمات المخاطر التشغيلية في المتغيرات الكلية مع مرور الزمن، وتحليل تفكيك تباين خطأ التنبؤ لتقدير مساهمة كل متغير في تفسير تقلبات المخاطر التشغيلية، ولتعزيز التحليل ومعالجة مشكلة السببية الداخلية استخدمت الدراسة كذلك نموذج العزوم المعممة الديناميكي للبيانات الطولية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت دوال الاستجابة للصدمات أن صدمات المخاطر التشغيلية تخفض الناتج المحلي الإجمالي وتؤثر في سعر الفائدة بين البنوك بفارق زمني متأخر، بما يؤكد أثرها النظامي الذي يتجاوز حدود البنك الواحد إلى الاقتصاد الكلي، وكشف تحليل تفكيك تباين خطأ التنبؤ أن الناتج المحلي الإجمالي يفسر جانبًا مهمًا من التباين في المخاطر التشغيلية، في إشارة إلى قوة القناة العكسية من الاقتصاد إلى البنوك، وأثبتت نتائج نموذج العزوم المعممة أن المخاطر التشغيلية النظامية في البنوك المغربية مستمرة عبر الزمن ومتسايرة مع الدورة الاقتصادية، إذ تشكلها الديناميات المالية الكلية مثل النمو والتضخم والأوضاع النقدية تشكيلًا مباشرًا يؤثر في متانة البنوك وقدرتها على الصمود
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم هذه النتائج إدماج المخاطر التشغيلية في أطر السياسة الاحترازية الكلية في المغرب، فلم تعد إدارة هذه المخاطر مسؤولية داخلية للبنوك وحدها، بل أصبحت جزءًا من منظومة الاستقرار المالي العام، ويستفيد البنك المركزي والجهات الرقابية من هذه الأدلة في تصميم اختبارات ضغط تأخذ صدمات المخاطر التشغيلية في الحسبان، وفي بناء أنظمة إنذار مبكر تربط مؤشرات المخاطر التشغيلية بالدورة الاقتصادية، كما تفيد إدارات المخاطر في البنوك في إدراك أن تعرضها للمخاطر التشغيلية يتصاعد في فترات الرواج ويتراجع أو يتفاقم مع تحولات النمو والتضخم والسياسة النقدية، بما يستدعي معايرة احتياطياتها وخطط استمرارية أعمالها وفق هذه الديناميات لا وفق سجل خسائرها التاريخي وحده
وتكتسب منهجية الدراسة المزدوجة قيمتها من تكامل أداتيها، فنموذج الانحدار الذاتي المتجه يلتقط التفاعلات الديناميكية المتبادلة بين المخاطر والمتغيرات الكلية عبر الزمن ويصور كيفية انتقال الصدمة وتلاشيها، بينما يعالج نموذج العزوم المعممة مشكلة السببية الداخلية التي قد تشوب التقديرات حين تؤثر المخاطر في الاقتصاد ويؤثر الاقتصاد فيها في آن واحد، واتساق نتائج الأداتين يعزز الثقة في الاستنتاج القائل بأن المخاطر التشغيلية ليست حدثًا عشوائيًا معزولًا، ويفسر وصفها بالمستمرة بأن مستوياتها الراهنة تحمل أثر مستوياتها السابقة، فتتراكم مواطن الضعف التشغيلي إن لم تُعالج مبكرًا، ويفسر وصفها بالمتسايرة مع الدورة الاقتصادية بأن فترات الرواج التي يتسع فيها النشاط الائتماني والتشغيلي ترفع التعرض لهذه المخاطر، وهو ما يستدعي سياسات رقابية مضادة للدورة تبني احتياطيات وقائية في أوقات اليسر بدل مطاردة المخاطر بعد تحققها، ويجعل من إدماج المخاطر التشغيلية في اختبارات الضغط الكلية خطوة عملية تالية لهذا الدليل التجريبي، ويمنح واضعي الأطر الرقابية أساسًا تجريبيًا مغربيًا نادرًا في أدبيات الأسواق الناشئة يمكن البناء عليه في دراسات مقارنة إقليمية أوسع مستقبلًا
وخلاصة القول إن المخاطر التشغيلية في القطاع المصرفي المغربي ذات طبيعة نظامية مستمرة ومتسايرة مع الدورة الاقتصادية، تتبادل التأثير مع الناتج المحلي والأسعار النقدية، وهو ما يفرض على صانعي السياسات والبنوك معًا التعامل معها بوصفها مكونًا أصيلًا من مكونات الاستقرار المالي الكلي لا مجرد مخاطر تشغيلية داخلية محدودة الأثر








