غدت الأمن السيبراني أولوية قصوى في المملكة العربية السعودية لارتباطه الوثيق بتحقيق مستهدفات رؤية المملكة ألفين وثلاثين وتعزيز مكانتها في التحول الرقمي، وفي القطاع الصحي تكتسب هذه الأولوية حساسية إضافية لأن تطبيقات الصحة تدير معلومات شخصية وطبية بالغة الخصوصية، وأي سلوك رقمي غير آمن من مستخدميها قد يعرض بيانات المرضى لمخاطر الاختراق وسوء الاستخدام، وتتناول هذه الدراسة محددات السلوك السيبراني لدى مستخدمي تطبيقات الصحة في المملكة، بفحص أثر المعرفة والاتجاهات والوعي بالأمن السيبراني في سلوكيات المستخدمين الفعلية، مستندة إلى بيانات ميدانية واسعة من مقيمين في المملكة يستخدم معظمهم تطبيقات صحية معروفة لإدارة معلوماتهم الصحية، وبذلك تقدم دليلًا محليًا مباشرًا تستند إليه جهود حماية بيانات المرضى في منظومة الصحة الرقمية السعودية المتنامية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس أثر معرفة الأمن السيبراني واتجاهات المستخدمين ووعيهم في سلوكياتهم الأمنية عند استخدام تطبيقات الصحة في المملكة العربية السعودية، واعتمدت دراسة مسحية مقطعية إلكترونية وزعت خلال شهري آذار ونيسان من عام ألفين وخمسة وعشرين على مقيمين في المملكة، وبلغ حجم البيانات المحللة ستمئة وتسعة وعشرين مشاركًا، وحللت العلاقات بين متغيرات الدراسة بنمذجة المعادلات البنائية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية عبر برنامج متخصص في هذا النوع من التحليل، ووصفت الدراسة عينتها فكان أغلب المشاركين من الفئة العمرية بين ثمانية عشر وأربعة وعشرين عامًا بنسبة تجاوزت واحدًا وستين في المئة، وأفاد نحو ثمانية وثمانين في المئة منهم باستخدام تطبيقات صحية مثل صحتي ولبيه لإدارة معلوماتهم الصحية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المتغيرات الثلاثة جميعها تتنبأ بسلوكيات الأمن السيبراني تنبؤًا دالًا إحصائيًا، إذ جاءت المعرفة أقوى المؤثرات بمعامل مسار بلغ نحو سبعة وثلاثين في المئة، تلتها الاتجاهات بمعامل بلغ نحو أربعة وثلاثين في المئة، ثم الوعي بمعامل بلغ نحو عشرين في المئة، وكانت جميع المسارات دالة عند مستوى دلالة متعارف عليه، وفسر النموذج قدرًا جوهريًا من التباين في سلوكيات الأمن السيبراني لدى المستخدمين، وتدل هذه النتائج على أن بناء السلوك الرقمي الآمن لا يقوم على الوعي العام وحده، بل يتطلب قبل ذلك معرفة عملية راسخة بما ينبغي فعله واتجاهات إيجابية تدفع إلى الالتزام به، فالمعرفة هنا هي المحرك الأول والممارسة الآمنة ثمرتها المباشرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد دلالات الدراسة الحاجة الملحة إلى تدخلات تعليمية موجهة تركز على تعزيز المعرفة بالأمن السيبراني وبرامج رفع الوعي لتعزيز سلوكيات صحية رقمية أكثر أمانًا وتقوية حماية بيانات المرضى في منظومة الرعاية الصحية السعودية، وتفيد مطوري التطبيقات الصحية ومقدمي الرعاية في تصميم رسائل توعية داخل التطبيقات نفسها وتضمين إرشادات أمنية مبسطة في تجربة المستخدم، كما تفيد صانعي السياسات الصحية الرقمية في مواءمة حملات التوعية الوطنية مع الفئات الأصغر سنًا التي تشكل غالبية مستخدمي هذه التطبيقات، وتبقى نتائج الدراسة مرتبطة بتصميمها المقطعي وبطبيعة عينتها الشبابية الغالبة، ما يدعو إلى دراسات لاحقة بعينات أوسع تمثيلًا وتصاميم طولية تتبع تغير السلوك عبر الزمن
وتتقاطع نتائج الدراسة مع جهود وطنية أوسع لبناء ثقافة أمن سيبراني مجتمعية ترافق التوسع في الخدمات الرقمية الحكومية والصحية، إذ لا يكفي تأمين الأنظمة تقنيًا ما لم يرافق ذلك سلوك مستخدم واع يحمي كلمات المرور ويتحقق من الروابط ويفعل وسائل التحقق المتاحة، وقد أظهرت تركيبة العينة الشابة أن الجيل الأكثر استخدامًا للتطبيقات الصحية هو ذاته الأكثر تعرضًا للمخاطر الرقمية اليومية، ومن ثم فإن توجيه البرامج التعليمية إلى هذه الفئة عبر قنواتها الرقمية ذاتها يمثل اختيارًا كفؤًا للموارد التوعوية، كما تلمح النتائج إلى أن الاتجاهات الإيجابية نحو الأمن لا تقل أهمية عن المعرفة، فالمستخدم المقتنع بقيمة الحماية يلتزم بالممارسات الآمنة حتى حين تكون مزعجة أو أبطأ من البدائل غير الآمنة
وخلاصة القول إن المعرفة والاتجاهات والوعي بالأمن السيبراني تصنع مجتمعة سلوك مستخدمي تطبيقات الصحة في المملكة العربية السعودية، وتتقدم المعرفة بوصفها المؤثر الأقوى، ومن ثم فإن الاستثمار في تعليم المستخدمين أمنيًا هو الطريق الأقصر إلى حماية بيانات المرضى وتعزيز ثقة المجتمع بمنظومة الصحة الرقمية الوطنية








