تتناول هذه الدراسة مصدرًا جديدًا ومثيرًا للجدل في أبحاث الجريمة المنظمة، وهو البيانات المستخرجة من خدمات المحادثات المشفرة التي اخترقتها سلطات إنفاذ القانون في سلسلة من التحقيقات القائمة على البيانات، فقد كانت هذه الخدمات تستخدم في معظمها من قبل مرتكبي الجرائم للتخطيط والتنسيق بعيدًا عن أعين الرقابة، وحين نجحت الشرطة في اختراقها توافرت كميات ضخمة من الأدلة أفضت إلى آلاف الاعتقالات في دول متعددة، غير أن البحث العلمي في القضايا القضائية التي نشأت عن هذه الاختراقات ما يزال محدودًا، فلا يعرف كثير عن طبيعة الجرائم التي ظهرت في المحاكم ولا عن أنماط العلاقات بينها ولا عن كيفية تعامل القضاء مع هذا النوع الجديد من الأدلة الرقمية، وتسعى الدراسة إلى سد هذه الفجوة عبر تحليل منهجي لقضايا محاكم استندت إلى بيانات المحادثات المشفرة المخترقة، ومقارنة محتوى ثلاث خدمات كبرى اخترقت تباعًا ليقدم للقارئ صورة مقارنة نادرة عن عالم الجريمة الخطيرة كما انعكس في سجلات المحاكم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مناقشة مواطن القوة وحدود الدراسة في هذا المصدر البياني الجديد، ومقارنة محتويات ثلاث خدمات للمحادثات المشفرة هي إنكروتشات وسكاي وأنوم، من حيث أنماط الجرائم المنسوبة إلى مستخدميها وعلاقات تلك الجرائم بعضها ببعض، واستخدم الباحثون عينة مكونة من مئة وخمس وتسعين قضية من قضايا المحاكم في السويد بين عامي ألفين وتسعة عشر وألفين وأربعة وعشرين استخدمت فيها أدلة مستمدة من المحادثات المشفرة، وقد شملت هذه القضايا ستمئة وسبعة وستين فردًا وألفًا وخمسمئة وتسع عشرة جريمة جرت الملاحقة بشأنها، وكانت معظمها جرائم مخدرات خطيرة، واعتمد التحليل على تحليل الشبكات لفحص الروابط بين أنواع الجرائم المختلفة داخل كل خدمة، بما يكشف البنية الداخلية للنشاط الإجرامي وأنماط اقتران الجرائم بعضها ببعض، كما قارنت الدراسة مدد الأحكام الصادرة عبر المنصات المختلفة للتحقق من وجود فروق في شدة العقوبات ترتبط بنوع الخدمة أو طبيعة القضايا المرتبطة بها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر تحليل الشبكات أن جرائم المخدرات الخطيرة ترتبط ارتباطًا قويًا بالعنف والأسلحة في خدمة إنكروتشات، بينما ترتبط بتهريب المخدرات عبر الحدود في خدمة سكاي، وترتبط بجرائم الأسلحة في خدمة أنوم، وهو ما يشير إلى أن لكل خدمة بصمتها الإجرامية الخاصة التي تعكس طبيعة شبكات مستخدميها وأنشطتهم، وبينت النتائج أن متوسط مدد الأحكام لم يختلف بين المنصات الثلاث، بما يوحي بأن شدة العقوبة تتحدد بطبيعة الجرائم ذاتها أكثر من ارتباطها بالخدمة التي استخدمت في ارتكابها، ومن النتائج اللافتة أن مرتكبي الجرائم واصلوا استخدام هذه الخدمات في التخطيط لجرائم خطيرة رغم الاختراقات المتتابعة لها ورغم المعرفة العلنية بتدخلات الشرطة فيها، وهو ما يدل على استمرارية الاعتماد على قنوات الاتصال المشفرة في عالم الجريمة المنظمة وصعوبة ردع مستخدميها بمجرد كشف اختراق خدمة بعينها، إذ سرعان ما ينتقل النشاط إلى خدمة بديلة ويستمر بأنماط مشابهة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن المعلومات المستمدة من خدمات المحادثات المشفرة المخترقة تمثل إضافة مهمة للبحث والسياسات والممارسة فيما يتصل بالمجموعات الإجرامية، فهي تتيح للباحثين نافذة مباشرة على تواصل المجرمين وتخطيطهم لم تكن متاحة من قبل بهذا الحجم، وتمكن صناع السياسات من فهم أدق لبنية الشبكات الإجرامية وأنماط جرائمها بما يعين على تصميم تدخلات أمنية وقضائية أكثر استهدافًا، وفي الوقت ذاته تنبه الدراسة إلى حدود هذا المصدر، فالقضايا التي تصل إلى المحاكم ليست سوى جزء منتقى من النشاط الإجرامي الكلي، والأدلة المستخرجة تظل خاضعة لاعتبارات قانونية وأخلاقية تتعلق بالخصوصية وسلامة الإجراءات، ومن ثم ينبغي استخدام هذا المصدر مكملًا لمصادر أخرى لا بديلًا وحيدًا عنها، وتفيد هذه الرؤى الباحثين في علم الجريمة ودراسات الجريمة المنظمة والممارسين في أجهزة إنفاذ القانون والقضاء على السواء
وخلاصة القول إن قضايا المحاكم المبنية على بيانات المحادثات المشفرة المخترقة تكشف بصمات إجرامية متمايزة لخدمات إنكروتشات وسكاي وأنوم مع تشابه في شدة الأحكام بينها، وإن استمرار المجرمين في استخدام هذه القنوات رغم الاختراقات المعلنة يجعل هذا المصدر البياني إضافة قيمة للبحث والسياسة والممارسة شريطة التعامل الواعي مع حدوده وخصوصيته القانونية








