تتناول هذه الدراسة طريقة مبتكرة لتدريس علم التداولية اللغوية عبر المشروعات، فالتواصل الفعال في مكان العمل يقتضي من المترجمين المحترفين والمترجمين الفوريين واختصاصيي الاتصال والعلاقات العامة اتخاذ خيارات لغوية دقيقة تساعدهم على تحقيق أهدافهم، ومن أنجع سبل تعليمهم اتخاذ القرارات اللغوية الملائمة تدريبهم ضمن مقرر التداولية بمنهجية تجعلهم يمارسون التحليل والاختيار فعليًا لا متلقين نظريين فقط، وتكمن أصالة هذه الدراسة في اقتراحها مقاربة جديدة لتدريس التداولية تصنع سياقًا تعليميًا ديناميًا قوامه المشروعات التي ينفذها الطلاب ويعرضونها ويناقشونها، ثم يتأملون خبرتهم فيها ويقيمونها، فتتحول المفاهيم المجردة عن الاستعمال اللغوي في السياق إلى خبرة معيشة داخل قاعة الدرس تتصل مباشرة بمهن المستقبل التي يعد الطلاب أنفسهم لها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف فاعلية تدريس التداولية عبر المشروعات من منظور الطلاب أنفسهم وقياس ما حققته لهم من اكتساب للمفاهيم وتنمية للمهارات الشخصية، وطبقت المقاربة على مدى عامين متتاليين مع طلاب كلية علوم الاتصال في جامعة بوليتكنيكا في تيميشوارا برومانيا من تخصصي الترجمة والترجمة الفورية والاتصال والعلاقات العامة، إذ نفذ الطلاب مشروعًا في هذا المقرر وقدموه أمام زملائهم في الصف، ثم تأملوا المهام وخبرتهم عبر استبانة من ستة عشر سؤالًا أعدها الباحثون ووزعت إلكترونيًا عبر نماذج جوجل، فاستجاب مئة وأربعة وستون طالبًا، وحللت ردودهم للكشف عن تقييمهم لجدوى المشروعات في فهم مفاهيم التداولية وتحسين مهاراتهم الناعمة، مع مراعاة أن المنهج الدراسي لكل تخصص يخصص للمقرر عددًا مختلفًا من الساعات وهو عامل قد يؤثر في عمق الخبرة التعليمية
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت أغلبية المستجيبين البالغ عددهم مئة وأربعة وستين طالبًا إلى فائدة المشروعات في اكتساب مفاهيم التداولية بصورة أفضل وفي تحسين مهاراتهم الناعمة معًا، فقد ساعد العمل على مشروع واقعي الطلاب على ربط المفاهيم النظرية عن الاستعمال اللغوي والسياق والقصد بمواقف تواصلية ملموسة يختارون فيها صياغاتهم ويبررون اختياراتهم أمام الجمهور، كما نمى لديهم مهارات العرض والعمل الجماعي والبحث والتحليل وهي مهارات لازمة لمهن الترجمة والاتصال والعلاقات العامة، وبرزت هذه الفوائد رغم اختلاف عدد الساعات المخصصة للمقرر بين التخصصين، بما يشير إلى أن قيمة المقاربة تكمن في طبيعتها التطبيقية التفاعلية لا في طول زمن التدريس وحده، وأن الطلاب ينظرون إلى مشروعاتهم بوصفها خبرة تعلم أصيلة جعلت مقررًا نظريًا في ظاهره أقرب إلى ممارستهم المهنية المستقبلية وأكثر رسوخًا في ذاكرتهم وفهمهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة لمدرسي اللغويات والترجمة والاتصال نموذجًا عمليًا لتدريس المفاهيم التداولية يخرج بها من التلقين إلى الممارسة، إذ يمكن تصميم مشروعات تحاكي مواقف مهنية حقيقية مثل ترجمة خطاب رسمي أو إدارة أزمة اتصالية أو صياغة رسائل لجمهور متعدد الثقافات، فيتعلم الطلاب اتخاذ القرار اللغوي الملائم لكل سياق ويدركون أثر اختياراتهم في المتلقين، كما تبرز أهمية التأمل المنظم بعد المشروع عبر أدوات تقويم ذاتي تجعل الطالب واعيًا بمسار تعلمه وبنقاط قوته وضعفه، وتدعو الدراسة واضعي المناهج الدراسية إلى إعادة النظر في توزيع الساعات بين التخصصات بما يضمن حدًا أدنى كافيًا لمقرر بهذه الأهمية المهنية، وإلى تعميم منهجية المشروعات في مقررات لغوية أخرى أثبتت الممارسة جدواها في ربط النظرية بالتطبيق وتنمية المهارات الناعمة التي يطلبها سوق العمل المعاصر، ومن الجدير بالانتباه أن استمرار التجربة عامين متتاليين مع تخصصين مختلفين في عدد الساعات يمنح النتائج مصداقية تطبيقية، إذ لم تكن الفائدة وليدة دفعة استثنائية واحدة بل نمطًا متكررًا يمكن البناء عليه في تطوير مقررات مشابهة، كما تتيح أداة التأمل ذات الأسئلة الستة عشر نموذجًا قابلًا للتكييف في جامعات أخرى ترغب في تقويم تجارب تعلم مشروعاتها من وجهة نظر طلابها أنفسهم قبل اعتمادها رسميًا في الخطط الدراسية
وخلاصة القول إن تدريس التداولية عبر المشروعات حول قاعة الدرس إلى مختبر تواصل حي يمارس فيه الطلاب اختياراتهم اللغوية ويعرضونها ويتأملونها، فاكتسبوا مفاهيم المقرر بعمق أكبر ونموا مهاراتهم الناعمة بشهادتهم هم أنفسهم، وتقدم الدراسة بذلك دليلًا تربويًا من سياق جامعي روماني على أن التعلم بالمشروعات ليس أسلوبًا تكميليًا بل مدخل أصيل لبناء كفاءة تواصلية مهنية، وهو درس يتجاوز مقررًا واحدًا إلى فلسفة تعليم اللغات والترجمة والاتصال في الجامعات عمومًا حيث يكون الهدف خريجًا قادرًا على التصرف اللغوي الحكيم في مواقف العمل الحقيقية








