يحتل التنبؤ بأداء المتعلمين عبر الإنترنت مكانة متنامية في بحوث التعلم الإلكتروني، إذ يساعد المؤسسات التعليمية على التدخل المبكر لدعم الطلاب المعرضين للتعثر أو التسرب، وتتنوع التقنيات المستخدمة في هذا التنبؤ بين الأساليب الإحصائية وخوارزميات التعلم الآلي، غير أن الأنطولوجيات بوصفها أطرًا لتمثيل المعرفة وتنظيمها تظل من أقل هذه المقاربات دراسة وتوظيفًا، وتأتي هذه المراجعة المنهجية لتسليط الضوء على دور الأنطولوجيات في التنبؤ بتحصيل المتعلمين عبر الإنترنت بهدف تعزيز نجاحهم الأكاديمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى استعراض الأدبيات المتاحة حول التنبؤ بأداء المتعلمين عبر الإنترنت باستخدام تقنيات التعلم الآلي القائمة على الأنطولوجيات، والتعرف إلى المنهجيات والأدوات المستخدمة في التنبؤ بأداء الطلاب، إضافة إلى تحديد البيئات التي تُبنى فيها الأنطولوجيات كما تناولها الباحثون في هذا المجال، وسعت المراجعة بذلك إلى رسم صورة شاملة لحالة البحث الراهنة وإبراز الفجوات المعرفية التي تستدعي مزيدًا من الدراسة والاهتمام العلمي المنظم في هذا الاتجاه البحثي الواعد
اعتمدت الدراسة منهج المراجعة المنهجية للأدبيات وفق إرشادات بريزما المعتمدة في إعداد المراجعات المنهجية وإعداد تقاريرها، وطبقت معايير إدراج واستبعاد محددة لاختيار الدراسات ذات الصلة بموضوعها، فأسفرت عملية الفرز والاختيار عن إدراج سبع دراسات أصلية ومراجعتين منهجيتين سابقتين، ثم حُلل محتوى هذه الأعمال تحليلًا منهجيًا لاستخلاص المنهجيات والأدوات وبيئات بناء الأنطولوجيات ونتائجها في التنبؤ بالتحصيل الدراسي للمتعلمين في بيئات التعلم عبر الإنترنت
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت نتائج المراجعة عن ندرة واضحة في البحوث المكرسة للأنطولوجيات في التنبؤ بتحصيل المتعلمين، فعلى الرغم من الاهتمام الواسع بالتنبؤ بالأداء الأكاديمي في بيئات التعلم عبر الإنترنت، فإن عدد الدراسات التي وظفت الأنطولوجيات في هذا الغرض ما زال محدودًا جدًا، وهو ما يجعل هذا المجال في بداياته البحثية ويفتح المجال أمام إسهامات علمية جديدة قادرة على إثراء الأدبيات وتطوير الممارسات المرتبطة بالتنبؤ المبكر بأداء الطلاب ودعمهم
ومع ذلك أشارت نتائج الدراسات المشمولة بالمراجعة إلى أن بناء نموذج أنطولوجي يسخّر إمكانات التعلم الآلي يمكن أن يساعد على التنبؤ الدقيق بالأداء الأكاديمي للطلاب، إذ تتيح الأنطولوجيات تمثيل العلاقات بين مفاهيم التعلم وخصائص المتعلمين وأنشطتهم تمثيلًا منظمًا يثري البيانات المدخلة إلى خوارزميات التنبؤ ويحسن قدرتها على التقاط الأنماط المؤثرة في التحصيل، وبذلك تجمع هذه المقاربة بين قوة التمثيل المعرفي المنظم وقدرات التعلم الآلي التحليلية في إطار واحد متكامل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب نتائج هذه المراجعة أهمية عملية لمؤسسات التعليم العالي وللقائمين على تخطيط المناهج الدراسية، إذ تقدم لهم أساسًا معرفيًا يمكن البناء عليه في تطوير أنظمة إنذار مبكر وتنبؤ بأداء الطلاب في بيئات التعلم عبر الإنترنت، بما يساعد على تجنب التسرب أو الرسوب عبر تدخلات داعمة في الوقت المناسب، فالتنبؤ المبكر بالتعثر يمنح المؤسسة فرصة توجيه الإرشاد الأكاديمي والدعم التعليمي إلى الطلاب الأكثر احتياجًا إليه قبل تفاقم صعوباتهم الدراسية
كما أبرزت الدراسة اتجاهات عديدة ممكنة للبحث المستقبلي في هذا المجال، من بينها تطوير نماذج أنطولوجية أغنى بالمفاهيم والعلاقات التعليمية، واختبار دقتها التنبؤية على بيانات واقعية واسعة من منصات التعلم، ومقارنة أدائها بأداء مقاربات التعلم الآلي التقليدية، وتوظيفها في سياقات تعليمية متنوعة، وهي اتجاهات من شأنها أن تنقل هذا الموضوع من نطاق الندرة البحثية إلى نطاق الممارسة التطبيقية الراسخة في تحليلات التعلم والتعليم الرقمي المعاصر
وتضمنت المراجعة كذلك تحديد البيئات التي يعتبرها الأكاديميون ملائمة لتوليد الأنطولوجيات في هذا النوع من البحوث، فقد لم يقتصر جهد الباحثين على حصر الدراسات ونتائجها، بل امتد إلى تفحص الأدوات والمنهجيات التي استخدمتها تلك الدراسات في التنبؤ، بما يقدم للباحثين الجدد خريطة عملية للانطلاق في هذا المجال، ويعين مؤسسات التعليم العالي ومخططي المناهج على فهم الشروط التقنية والمعرفية اللازمة لبناء نماذج أنطولوجية قابلة للتوظيف الفعلي في بيئات التعلم عبر الإنترنت
وخلاصة القول إن هذه المراجعة المنهجية تبين أن توظيف الأنطولوجيات في التنبؤ بأداء المتعلمين عبر الإنترنت مجال بحثي واعد رغم ندرة دراساته حتى الآن، وأن النماذج الأنطولوجية المسخرة لقدرات التعلم الآلي قادرة على تقديم تنبؤات دقيقة بالأداء الأكاديمي، وهو ما يجعل الاستثمار البحثي والتطبيقي في هذا الاتجاه خطوة مهمة لدعم نجاح الطلاب والحد من تعثرهم في بيئات التعلم الإلكتروني المتنامية








