أتاحت التطورات الحديثة في تقنية التعليم للمعلمين توظيف أدوات متقدمة مثل تحليلات التعلم وبيئات التعلم المعكوس، غير أن توظيف هذه الأدوات لا يضمن بذاته تحسين مخرجات التعلم، إذ تظل فاعليتها مرهونة بكيفية تصميمها ودمجها في الممارسة الصفية، وتناولت هذه الدراسة أثر نظام للتغذية الراجعة قائم على تحليلات التعلم في التحصيل الدراسي والتعلم المنظم ذاتيًا لدى الطلاب في بيئة تعلم معكوس، وسعت إلى تقديم أدلة تجريبية حول جدوى هذا النوع من التغذية الراجعة في سياق إعداد المعلمين قبل الخدمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر نظام تغذية راجعة قائم على تحليلات التعلم في التحصيل الدراسي والتعلم المنظم ذاتيًا لدى الطلاب المعلمين في فصول التعلم المعكوس، واعتمدت تصميمًا شبه تجريبي بقياسين قبلي وبعدي ومجموعتين تجريبية وضابطة، وشارك فيها واحد وسبعون طالبًا معلمًا في المجموعة التجريبية وستة وخمسون طالبًا معلمًا في المجموعة الضابطة، وكان جميع المشاركين مسجلين في مقرر لتقنية المعلومات ضمن برامج إعداد المعلمين
تلقت المجموعة التجريبية التغذية الراجعة القائمة على تحليلات التعلم خلال برنامج تدريبي امتد أربعة أسابيع داخل فصل التعلم المعكوس، في حين لم تتلق المجموعة الضابطة هذا النوع من التغذية الراجعة وواصلت تعلمها بالطريقة المعتادة، وجُمعت البيانات باستخدام اختبار تحصيلي لقياس التحصيل الدراسي، واستبانة إلكترونية لقياس التعلم المنظم ذاتيًا، واستمارة لاستطلاع آراء الطلاب حول تجربتهم مع نظام التغذية الراجعة، ثم حُللت البيانات الكمية والنوعية للكشف عن الفروق بين المجموعتين وعن تصورات الطلاب لفاعلية النظام
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج الكمية أن التعلم المنظم ذاتيًا والتحصيل الدراسي لدى الطلاب لم يتأثرا تأثرًا ذا دلالة إحصائية بنظام التغذية الراجعة القائم على تحليلات التعلم في فصول التعلم المعكوس، فقد لم تظهر فروق جوهرية بين المجموعة التجريبية التي تلقت التغذية الراجعة والمجموعة الضابطة التي لم تتلقها في القياسات البعدية للمتغيرين، وهو ما يشير إلى أن مجرد إتاحة بيانات تحليلات التعلم للطلاب في صورة تغذية راجعة قد لا يكون كافيًا لإحداث تغيير قابل للقياس في تحصيلهم أو في قدرتهم على تنظيم تعلمهم ذاتيًا خلال فترة قصيرة نسبيًا
وفي المقابل كشفت النتائج النوعية عن صورة مختلفة، إذ أكد الطلاب أن التغذية الراجعة القائمة على تحليلات التعلم ساعدتهم على التعلم لأنها أتاحت لهم متابعة عمليات تعلمهم ورصد تقدمهم أولًا بأول، فقد منحتهم هذه التغذية الراجعة وعيًا أكبر بأنشطتهم التعليمية وبمواضع القوة والضعف في أدائهم، وشجعتهم على مراجعة استراتيجياتهم في الدراسة، وهو تباين بين النتائج الكمية والنوعية يدعو إلى قراءة متأنية لطبيعة الأثر الذي يمكن أن تحدثه تحليلات التعلم في المدى القصير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لمصممي بيئات التعلم المعكوس ومطوري أنظمة تحليلات التعلم، فهي تبين أن القيمة التربوية للتغذية الراجعة الرقمية لا تتحقق تلقائيًا، بل تتطلب تصميمًا يربط البيانات المعروضة بأهداف تعليمية واضحة وبأنشطة تعلم موجهة، كما تشير إلى أن أثر مثل هذه الأنظمة قد يظهر أولًا في وعي الطلاب بتعلمهم وتصوراتهم عنه قبل أن ينعكس في مؤشرات التحصيل، وأن البرامج التدريبية القصيرة قد لا تكفي لترجمة هذا الوعي إلى مكاسب تحصيلية ملموسة
وتفيد الدراسة كذلك الباحثين في مجال تقنية التعليم بأهمية المزج بين المناهج الكمية والنوعية عند تقويم التدخلات التقنية، فالاعتماد على الاختبارات الإحصائية وحدها قد يخفي آثارًا تعليمية حقيقية يدركها المتعلمون في ممارساتهم، كما تفتح الباب أمام دراسات لاحقة تختبر فترات تدخل أطول وتصميمات تغذية راجعة أكثر تخصيصًا، وتربط بيانات تحليلات التعلم باستراتيجيات دعم مباشرة للتعلم المنظم ذاتيًا داخل الفصول المعكوسة وخارجها
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم صورة متوازنة لأثر التغذية الراجعة القائمة على تحليلات التعلم في بيئة التعلم المعكوس، فبينما لم تسجل فروقًا ذات دلالة إحصائية في التحصيل الدراسي والتعلم المنظم ذاتيًا بين المجموعتين، فقد أظهرت أن الطلاب وجدوا في هذه التغذية الراجعة عونًا حقيقيًا على متابعة تعلمهم وفهم مساره، وهو ما يجعل تطوير هذه الأنظمة وربطها بدعم تربوي مقصود مسارًا واعدًا لتحسين جودة التعلم في التعليم العالي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








