تحتل استطلاعات رضا الطلاب عن المقررات الدراسية مكانة مؤثرة في مؤسسات التعليم العالي، إذ توظف نتائجها في تقييم جودة المقررات وفي قرارات الترقية الأكاديمية لأعضاء هيئة التدريس، غير أن هذه الأهمية المتزايدة تفرض التدقيق في مدى عدالة استخدام نتائجها، فالتقييمات قد تتأثر بعوامل لا تعكس جودة التعلم ذاتها، وفي مقدمتها الدرجات التي يحصل عليها الطلاب وتصميم التعلم الذي يخضعون له، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى فهم التحيزات المحتملة والعوامل المؤثرة في هذه الاستطلاعات فهمًا عميقًا قبل الاعتماد عليها في قرارات عالية الأهمية، وفي هذا الإطار تأتي الدراسة الحالية لتفكيك تقييمات الرضا في ضوء ثلاثة عوامل لتصميم التعلم هي المحتوى والمنهجية وعبء العمل، ولفحص تفاعلها مع درجات الطلاب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تفكيك تقييمات رضا الطلاب عن المقررات عبر النظر في ثلاثة عوامل لتصميم التعلم هي محتوى المقرر ومنهجية تدريسه وعبء العمل المطلوب فيه، وفحص كيفية تفاعل هذه العوامل مع درجات الطلاب في تشكيل الرضا الكلي، واعتمدت الدراسة على التحليلات المؤسسية لنتائج الاستطلاعات في عامين دراسيين متتاليين هما 2021-2022 و2022-2023 في إحدى الجامعات الإسبانية، مستثمرة ما يعرف بمفهوم عدم اليقين التوليدي الذي يدعو التحليلات المؤسسية إلى توظيف البيانات في إثارة استفسارات منتجة بدل الاكتفاء بإجابات نهائية قاطعة، بما يعمق فهم المؤسسة لبياناتها ويحسن قراراتها
وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن الحكم الكلي الذي يصدره الطالب عن مقرر ما لا يتشكل من تجربة التعلم وحدها، بل يتداخل فيه رضاه عن عناصر التصميم التعليمي وتوقعاته ودرجاته، ولذلك فإن الفصل التحليلي بين هذه المكونات ضروري للحكم العادل على دلالة نتائج الاستطلاعات، كما أن الدراسة تسائل الافتراض الشائع بأن الطلاب ذوي الدرجات المنخفضة يعاقبون المقرر وأستاذه بتقييمات متدنية، فتخضع هذا الافتراض للاختبار التجريبي بدل قبوله بداهة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن جوانب تصميم التعلم ترتبط ارتباطًا قويًا بتصور الطلاب الشامل للمقرر الدراسي، بحيث يتشكل الرضا الكلي انطلاقًا من تقييم الطلاب للمحتوى والمنهجية وعبء العمل أساسًا، في حين جاء الارتباط بين درجات الطلاب ورضاهم المتصل بتصميم التعلم ضعيفًا أو متوسطًا في أحسن الأحوال، وتشير هذه النتائج التحليلية إلى احتمال وجود تحيز في استجابات الطلاب لاستطلاعات الرضا عن المقررات، من قبيل أن تقود الدرجات المنخفضة إلى رضا أقل، غير أن هذا التحيز لا يظهر بصورة متسقة عبر البيانات
وتعني هذه النتيجة أن العلاقة بين الدرجات والرضا ليست قانونًا ثابتًا يمكن الاستناد إليه في خصم قيمة الاستطلاعات أو تجاهلها، بل هي علاقة ظرفية تتفاوت بحسب السياقات والمقررات، وأن تصميم التعلم ذاته يظل هو المحدد الأقوى لتصورات الطلاب، بما يعيد الاعتبار لنتائج الاستطلاعات بوصفها مؤشرًا ذا معنى عن تجربة التعلم حين تقرأ قراءة متأنية تراعي مكوناتها، ويحذر في الوقت ذاته من القراءات التبسيطية التي تختصر رضا الطلاب في درجاتهم أو في انطباع عام واحد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو نتائج الدراسة إدارات الجامعات ووحدات ضمان الجودة إلى التعامل مع نتائج استطلاعات الرضا بوصفها بيانات مركبة تستوجب التفكيك والتحليل متعدد المستويات قبل توظيفها في تقييم المقررات أو في قرارات الترقية الأكاديمية، وإلى تطوير ممارسات التحليلات المؤسسية بحيث تتبنى عدم اليقين التوليدي الذي يشجع على طرح أسئلة أعمق حول البيانات بدل التعجل في أحكام نهائية، كما تفيد أعضاء هيئة التدريس أن تحسين تصميم التعلم في محتواه ومنهجيته وتوزيع عبئه هو الطريق الأوثق إلى رضا الطلاب، لا التهاون في معايير التقييم والدرجات
وتتفرع عن هذه النتائج أسئلة مهمة حول توظيف الاستطلاعات في قرارات الترقية الأكاديمية وتقييم أداء أعضاء هيئة التدريس، فإذا كان الرضا الكلي يتشكل أساسًا من عوامل تصميم التعلم، فإن نتائج الاستطلاعات تحمل معلومة حقيقية عن تجربة التعلم لا يصح إهدارها، وإذا كان أثر الدرجات فيها محدودًا وغير متسق، فإن خصم مصداقيتها كليًا بدعوى التحيز يغدو موقفًا غير مبرر تجريبيًا، وبين هذين الطرفين يقترح مفهوم عدم اليقين التوليدي طريقًا ثالثًا تتعامل فيه المؤسسة مع بياناتها بوصفها مادة للاستفسار المنتج، فتسأل عن أسباب التفاوت بين المقررات وعن مواضع القوة والضعف في التصميم بدل الاكتفاء بترتيب الأساتذة والمقررات رقميًا
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت قراءة متوازنة لاستطلاعات رضا الطلاب، فبينت أن تصورهم الشامل للمقرر يتشكل أساسًا من عوامل تصميم التعلم، وأن أثر الدرجات في رضاهم أضعف وأقل اتساقًا مما يشاع، وبذلك أرست أساسًا أمتن لاستخدام أعدل وأرشد لنتائج هذه الاستطلاعات في مؤسسات التعليم العالي








