يحتل شعور المعلم بالمسؤولية عن تعلم طلابه مكانة محورية في الأدبيات التربوية الحديثة، إذ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدافعية المعلم وجودة ممارساته الصفية ومستوى انخراط الطلاب في عملية التعلم، غير أن دراسة هذا المفهوم دراسة علمية رصينة تستلزم أدوات قياس مقننة ثبت صدقها وثباتها في البيئات الثقافية التي تطبق فيها، وهو ما دفع الباحثين إلى تطوير مقاييس متخصصة من أبرزها مقياس مسؤولية المعلم الذي وضعه لاورمان وكارابينيك، ومع اتساع استخدام هذا المقياس في دراسات دول عديدة ظلت البيئة المجرية خالية من نسخة مهيأة منه، إذ لم يتوافر أي مقياس لقياس مسؤولية المعلم باللغة المجرية رغم الحاجة البحثية المتنامية إلى فهم هذا المفهوم لدى المعلمين قبل الخدمة، ومن هذا المنطلق جاءت الدراسة الحالية لتسد هذه الفجوة المعرفية والأدواتية عبر تكييف نسخة مجرية من المقياس والتحقق من خصائصها السيكومترية بمنهجية دقيقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تكييف نسخة مجرية من مقياس مسؤولية المعلم والتحقق من صدقها وثباتها لدى المعلمين قبل الخدمة في المجر، واعتمدت على عينة قوامها مئتان وستة وتسعون طالبًا معلمًا ممن يعدون لممارسة مهنة التدريس، وطبقت النسخة المهيأة على أفراد العينة ثم أخضعت بياناتها للتحليل العاملي الاستكشافي والتحليل العاملي التوكيدي للتحقق من البنية العاملية المفترضة للمقياس، كما قدر الاتساق الداخلي لأبعاد المقياس بمعاملات ألفا كرونباخ، وحسب ثبات إعادة الاختبار بمعاملات الارتباط داخل الفئة، وفحص الصدق التقاربي والصدق التمايزي عبر دراسة أنماط الارتباط بين مقياس مسؤولية المعلم وكل من مقياس الكفاءة الذاتية للمعلم ومقياس مناهج التدريس، بما يتيح الحكم على جودة الأداة من زوايا قياسية متعددة ومتكاملة
وتتفرع مسؤولية المعلم في بنية هذا المقياس إلى أربعة أبعاد رئيسة هي المسؤولية عن دافعية الطلاب، والمسؤولية عن تحصيل الطلاب، والمسؤولية عن العلاقات مع الطلاب، والمسؤولية عن التدريس ذاته، ويعكس هذا التوزيع تصورًا شاملًا للمسؤولية المهنية يتجاوز نواتج التعلم إلى المناخ الصفي والعلاقات الإنسانية والممارسة التدريسية، وقد حرصت الدراسة على اختبار مدى انطباق هذه البنية الرباعية على البيانات المجرية اختبارًا تجريبيًا بدل افتراض صلاحيتها مسبقًا، فجاءت إجراءات التحقق متسقة مع المعايير المعتمدة في تكييف المقاييس النفسية والتربوية عبر الثقافات
ثانيًا: أبرز النتائج
أيدت نتائج التحليل العاملي بنوعيه الاستكشافي والتوكيدي البنية العاملية المفترضة للنسخة المجرية من المقياس، فقد توزعت فقراته على العوامل الأربعة المتوقعة بما يتوافق مع البناء النظري الأصلي للأداة، وبلغت معاملات الاتساق الداخلي للأبعاد الأربعة قيمًا مرضية تراوحت بين 0.75 و0.83 بحسب معامل ألفا كرونباخ، فيما جاء ثبات إعادة الاختبار في مستوى متوسط إذ تراوحت معاملات الارتباط داخل الفئة بين 0.64 و0.75، وهي قيم تشير إلى استقرار مقبول في استجابات الطلاب المعلمين عبر الزمن وتدعم الاعتماد على الأداة في القياسات المتكررة
كما أكدت أنماط الارتباط بين مقياس مسؤولية المعلم وكل من مقياس الكفاءة الذاتية للمعلم ومقياس مناهج التدريس تحقق الصدق التقاربي والصدق التمايزي للنسخة المجرية، إذ ارتبطت درجات المسؤولية بالمفاهيم القريبة منها نظريًا على النحو المتوقع وتمايزت عن المفاهيم المختلفة عنها، وبناء على مجمل هذه الأدلة المتراكمة خلصت الدراسة إلى أن النسخة المجرية من مقياس مسؤولية المعلم أداة صادقة وثابتة، تصلح للاستخدام الواثق في البحوث اللاحقة لدى المعلمين قبل الخدمة في السياق المجري
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه الدراسة الباب أمام الباحثين في البيئة المجرية لدراسة مسؤولية المعلم وعلاقتها بمتغيرات مهنية ونفسية أخرى كالكفاءة الذاتية والاحتراق المهني والرضا الوظيفي وجودة التدريس، كما تفيد كليات إعداد المعلم في تقويم مدى نمو الشعور بالمسؤولية لدى طلابها عبر سنوات الإعداد وفي ضوء الخبرات الميدانية، ويمكن أن تستثمر نتائج القياس في تصميم برامج إرشاد وتدريب تستهدف الأبعاد الأضعف لدى الطلاب المعلمين قبل التحاقهم بالممارسة الفعلية، ويظل من المهم مواصلة التحقق من خصائص الأداة لدى عينات أوسع من المعلمين الممارسين وفي مراحل تعليمية متنوعة حتى تترسخ قاعدة الأدلة حولها وتتسع مجالات توظيفها
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت للبيئة البحثية المجرية أداة قياس مهيأة ثقافيًا ومحكمة الخصائص السيكومترية لمفهوم مسؤولية المعلم بأبعاده الأربعة المتصلة بالدافعية والتحصيل والعلاقات والتدريس، وبذلك أتاحت إمكان دراسة هذا المفهوم التربوي المهم بمنهجية سليمة داخل سياق لم يكن يملك من قبل وسيلة مقننة لقياسه








