تبحث هذه الدراسة في الدور الوسيط للمسؤولية الاجتماعية للشركات في العلاقة بين العوامل الاجتماعية والمشتريات المستدامة المسؤولة اجتماعيًا في صناعة الأغذية، وهي صناعة تتقاطع فيها الاعتبارات التجارية مع قضايا حقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي والسلامة والصحة بصورة مباشرة، فقرارات الشراء التي تتخذها إدارات المشتريات في شركات الأغذية لا تؤثر في التكلفة والجودة فحسب، بل في أوضاع العاملين والمجتمعات وسلامة المنتجات، ومن هنا تكتسب دراسة عوامل الشراء المسؤول وآليات تشكله أهمية نظرية وتطبيقية للمؤسسات والمجتمع على حد سواء، وتقوم المسؤولية الاجتماعية للشركات في هذا السياق بدور القناة التنظيمية التي تترجم عبرها القيم والالتزامات الاجتماعية إلى سياسات وممارسات يومية، ومن ثم كان من المنطقي التساؤل عما إذا كانت هي الحلقة التي يمر عبرها أثر العوامل الاجتماعية في قرارات الشراء أو أن أثر هذه العوامل مباشر لا يحتاج إلى وسيط مؤسسي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد ما إذا كانت المسؤولية الاجتماعية للشركات تتوسط العلاقة بين العوامل الاجتماعية، متمثلة في حقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي والسلامة والصحة، وبين المشتريات المستدامة المسؤولة اجتماعيًا في صناعة الأغذية بإقليم السند في باكستان، واعتمدت الدراسة على بيانات أولية جُمعت من عينة بلغ حجمها مائتين وخمسين مفردة من العاملين في إدارات المشتريات، طُلب منهم طوعًا استيفاء استبانة مستخدمة في دراسات سابقة، وجُمعت البيانات باستراتيجيتي المعاينة الملائمة والمعاينة بكرة الثلج، ثم حُللت البيانات باستخدام برنامج سمارت بي إل إس في نسخته الثالثة، المتخصص في نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، بما يتيح اختبار علاقات الوساطة بين متغيرات الدراسة، وقد توزعت متغيرات الدراسة بين عوامل اجتماعية مستقلة هي حقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي والسلامة والصحة، ومتغير تابع هو المشتريات المستدامة المسؤولة اجتماعيًا، ومتغير وسيط هو المسؤولية الاجتماعية للشركات، واختير العاملون في إدارات المشتريات مجتمعًا للدراسة لأنهم صانعو قرارات الشراء الفعليون الأقدر على الإفصاح عن الاعتبارات التي تحكم اختيار الموردين والمنتجات في شركاتهم
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت نتائج التحليل أن المسؤولية الاجتماعية للشركات تتوسط جزئيًا العلاقة بين حقوق الإنسان والمشتريات المستدامة المسؤولة اجتماعيًا، وكذلك العلاقة بين الرفاه الاجتماعي وهذه المشتريات، بما يعني أن أثر هذين العاملين ينتقل بصورة غير مباشرة عبر ممارسات المسؤولية الاجتماعية إلى جانب أثره المباشر، في المقابل تبين أن أثر السلامة والصحة في المشتريات المسؤولة اجتماعيًا يتحقق بوساطة كاملة من المسؤولية الاجتماعية للشركات، فلا يظهر له أثر مستقل بمعزل عنها، ويمثل اكتشاف أدوار الوساطة هذه النتيجة الأبرز في الدراسة، إذ لم يسبق اختبار الدور الوسيط للمسؤولية الاجتماعية للشركات في هذا السياق، كما لم تُقيم علاقته بصناعة الأغذية في سياق إقليم السند بباكستان من قبل، ويعني التوسط الجزئي أن حقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي يؤثران في الشراء المسؤول عبر مسارين متوازيين، أحدهما مباشر ينطلق من قناعات صانعي القرار وسياساتهم، والآخر غير مباشر يمر بممارسات المسؤولية الاجتماعية المؤسسية، أما التوسط الكامل للسلامة والصحة فيعني أن أثرهما لا يتحول إلى قرارات شراء مسؤولة إلا حين تتبناه الشركة في برامج مسؤوليتها الاجتماعية وتلتزم به مؤسسيًا، وهو تمييز دقيق له وزنه عند تصميم التدخلات العملية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دلالات عملية لإدارات شركات الأغذية وصناع السياسات، إذ تبين أن تعزيز ممارسات المسؤولية الاجتماعية للشركات ليس نشاطًا صوريًا منفصلًا عن العمليات، بل قناة فعلية تتحول عبرها الاعتبارات الاجتماعية، من حقوق الإنسان والرفاه إلى السلامة والصحة، إلى قرارات شراء مستدامة ومسؤولة، ومن ثم فإن الاستثمار في برامج المسؤولية الاجتماعية وتضمينها في سياسات المشتريات وسلاسل التوريد يمكن أن يرفع مستوى المسؤولية الاجتماعية في مشتريات القطاع الغذائي، وعلى الصعيد البحثي تفتح الدراسة المجال لاختبار نموذج الوساطة هذا في صناعات وأقاليم أخرى، ولإدخال متغيرات وسيطة ومعدلة إضافية تعمق فهم كيفية تشكل قرارات الشراء المسؤول، ومن التطبيقات المباشرة لهذه النتائج أن تعيد شركات الأغذية النظر في معايير اختيار الموردين وتقويمهم، فتدرج فيها أبعاد حقوق الإنسان والرفاه وسلامة العمليات، وأن تربط برامج المسؤولية الاجتماعية بمؤشرات أداء واضحة في إدارة المشتريات حتى لا تبقى التزامات معلنة بلا أثر تنفيذي في سلاسل التوريد
وخلاصة القول إن المسؤولية الاجتماعية للشركات تؤدي دورًا وسيطًا جوهريًا بين العوامل الاجتماعية والمشتريات المستدامة المسؤولة اجتماعيًا في صناعة الأغذية بالسند، وساطة جزئية في حالتي حقوق الإنسان والرفاه الاجتماعي ووساطة كاملة في حالة السلامة والصحة، وبذلك تقدم الدراسة إسهامًا جديدًا في أدبيات الشراء المسؤول وإدارة سلاسل التوريد المستدامة








