تعد التقنيات الخضراء ركيزة لتحسين إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم وتقليل آثارها البيئية، غير أن امتلاك التقنية ميزة موضوعية في العوائد لا يضمن بالضرورة انتشارها المستدام بين المنشآت العاملة في هذا القطاع، فقرارات التبني لا تحكمها حسابات الربح والخسارة وحدها، بل تتداخل فيها كيفية تقييم المديرين للمكاسب والخسائر نفسيًا وكيفية تعلم المنشآت من جيرانها في شبكات العلاقات المهنية، ومن هنا تنبع أهمية فهم التفاعل بين التقييم السلوكي للعوائد وآليات التعلم الشبكي في تفسير صعود انتشار التقنية الخضراء أو انحساره، وهو ما تتناوله هذه الدراسة بمنهج النمذجة التطورية على الشبكات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تأثير المحاسبة الذهنية وتقييم المنشأة في انتشار التقنية الخضراء بين منشآت إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم، وبنى الباحثون ثلاثة نماذج على شبكة عديمة المقياس من نمط باراباسي وألبرت، أولها نموذج معياري عقلاني يفترض تقييمًا موضوعيًا للعوائد، وثانيها نموذج يجمع بين نظرية التوقع والمحاسبة الذهنية، وثالثها نموذج للمحاسبة الذهنية مع تحرير المتعة الذي يقارن بين التقييمات المتكاملة والمنفصلة للحسابات، وتُحدَّث استراتيجيات المنشآت وفق قاعدة فيرمي القائمة على الترتيب النسبي داخل الجوار الشبكي، بحيث تميل المنشأة إلى تقليد الاستراتيجيات الأعلى أداء بين جاراتها، وأُجريت محاكاة عبر نطاقات واسعة من المعاملات لاختبار أثر نضج التقنية والتبني الأولي ومتوسط درجة الشبكة وسياسات الدعم والعقوبات
ويتيح هذا البناء المقارن عزل أثر طريقة التقييم ذاتها في مسار الانتشار، فالنماذج الثلاثة تشترك في البنية الشبكية وقواعد التحديث وتختلف في المنطق النفسي الذي تُقوَّم به العوائد، ومن ثم فإن أي اختلاف في نتائج الانتشار يمكن إرجاعه إلى منطق التقييم لا إلى اختلاف البيئة أو القواعد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن تقييم الحسابات بصورة منفصلة يضعف الميزة المدركة للتقنية الخضراء، وأن التقليد المحلي داخل الشبكة يضخّم هذا الأثر فيفضي إلى مستويات تبنٍّ منخفضة، في حين يحسّن تحرير المتعة الأداء النسبي للتقنية الخضراء عبر مقارنة التقييمات المتكاملة والمنفصلة، وإن ظل أثره في الانتشار مشروطًا بالإيرادات والتكاليف الأساسية، كما بيّنت المحاكاة أن نضج التقنية يدعم الانتشار لأنه يخفض كلف الإنتاج ومخاطر البحث والتطوير، وأن مستوى التبني الأولي ومتوسط درجة الشبكة يؤثران معًا في انتشار الاستراتيجيات المتفوقة، وأن الدعم والغرامات يخفضان عتبات التبني، غير أن ارتفاع التبني لا يضمن بالضرورة ارتفاع متوسط صافي عوائد المنشآت
وتكشف هذه النتائج مفارقة لافتة في سياسات الانتشار، فقد تنجح الحوافز في دفع مزيد من المنشآت إلى تبني التقنية الخضراء بينما لا يتحسن متوسط عوائد القطاع بالقدر نفسه، ما يعني أن نجاح الانتشار العددي ليس مرادفًا تلقائيًا للجدوى الاقتصادية الجماعية، وأن تقويم السياسات ينبغي أن يرصد مؤشري الانتشار والعوائد معًا لا أحدهما منفردًا
وتظهر هذه النتائج أن الطريقة التي تُجزأ بها الحسابات في ذهن متخذ القرار ليست تفصيلًا نفسيًا هامشيًا، بل عامل مؤثر في مسار الانتشار ذاته، فحين تُعرض كلفة التقنية الخضراء في حساب مستقل عن منافعها تبدو أثقل مما تبدو عليه في الصورة المتكاملة، ويتضاعف هذا الانطباع حين تراقب المنشآت بعضها بعضًا في الشبكة فتقلد المترددين وتؤجل قرارها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد نتائج الدراسة صانعي السياسات ومديري المنشآت في أن تصميم أدوات تشجيع التقنية الخضراء ينبغي أن يراعي الطريقة التي تُعرض بها المكاسب والخسائر على متخذ القرار، فدمج الحسابات وتقديم الصورة المتكاملة للعوائد قد يكون مؤثرًا بقدر أثر الدعم المالي ذاته، كما تدعم النتائج أهمية برامج الاستعراض والتجريب التي ترفع نضج التقنية وتخفض مخاطر تبنيها، وأهمية بناء مزيج سياساتي متكامل يجمع بين الحوافز والعقوبات والتقويم الشامل للمشروعات، وتبقى حدود الدراسة مرتبطة بطبيعتها النمذجية القائمة على المحاكاة، ما يستدعي اختبار استنتاجاتها ميدانيًا في قطاعات وسياقات مؤسسية مختلفة
كذلك تبرز أهمية البنية الشبكية ذاتها في التخطيط للانتشار، فالمنشآت الأوثق ترابطًا تتبادل الإشارات بسرعة أكبر، ما يجعل بذور التبني الأولى إذا زُرعت في المواضع المؤثرة من الشبكة قادرة على جر بقية المنشآت عبر التقليد المحلي، وهو اعتبار يمكن أن يوجه استهداف برامج الدعم والاستعراض نحو العقد الأعلى اتصالًا
وخلاصة القول إن انتشار التقنية الخضراء في قطاع إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم ليس مسألة عوائد موضوعية فحسب، بل نتاج تفاعل بين منطق التقييم الذهني وديناميات التعلم داخل الشبكات، وفهم هذا التفاعل يمنح السياسات البيئية والصناعية قدرة أدق على تحويل المزايا التقنية إلى انتشار فعلي مستدام








