تفتح تقنيات الواقع الافتراضي الغامر آفاقًا واسعة أمام بحوث سلوك المستهلك وتسويق الأغذية، إذ تتيح محاكاة بيئات شراء قريبة من الواقع مع ضبط كامل لعناصر التجربة وعرض المنتجات وأسعارها، غير أن سؤالًا منهجيًا جوهريًا ظل مطروحًا حول صدق التقديرات التي تنتجها هذه البيئات حين تُقارن بالتقديرات المستمدة من البيئات الحقيقية، ولا سيما تقديرات الاستعداد للدفع التي تُبنى عليها قرارات التسعير وتطوير المنتجات، فإذا اختلفت هذه القيم بين العالمين اختلافًا جوهريًا صار الاعتماد على التجارب الافتراضية محفوفًا بمخاطر التحيز، أما إذا تقاربت فإن الباحثين والمسوقين يكسبون أداة تجريبية مرنة تسمح باختبار منتجات وأسعار لم تُطرح بعد في الأسواق الفعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار ما إذا كان استعداد المستهلكين للدفع مقابل منتجات الحبوب الجاهزة للأكل يختلف بين بيئة الواقع الافتراضي الغامر وبيئة العالم الحقيقي، واعتمدت على تجارب اختيار حقيقية شارك فيها 227 مشاركًا اختاروا مواعيد حجز دون أن يعلموا ما إذا كانت تقابل بيئة الواقع الافتراضي أم بيئة العالم الحقيقي، وهو ترتيب يجعل الاختيارات ذات عواقب اقتصادية فعلية ومتوافقة مع الحوافز، ولاشتقاق قيم الاستعداد للدفع قُدّرت نماذج اللوجيت ذات المعاملات العشوائية في مساحة الاستعداد للدفع أساسًا، في حين استُخدمت نماذج مساحة التفضيل للتحقق من متانة النتائج، ويشير الباحثان إلى أن دراستهما هي الأولى التي تقارن الاستعداد للدفع بين البيئتين وفق تصميم متوافق مع الحوافز بحسب ما تيسر من أدبيات
ويمنح هذا التصميم التجربة قوة منهجية لافتة، فالمشارك يتعامل مع اختيار حقيقي قد يدفع مقابله من ماله، ومن ثم لا تكون إجاباته تفضيلات معلنة قد تتأثر بالمجاملة أو التخمين، بل قرارات اقتصادية قريبة من قرارات الشراء الفعلية، كما أن إخفاء طبيعة البيئة المقابلة لموعد الحجز عند الاختيار يقلل أثر التوقعات المسبقة حول التقنية ذاتها ويجعل المقارنة بين البيئتين أكثر إنصافًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في الاستعداد للدفع بين بيئة الواقع الافتراضي الغامر وبيئة العالم الحقيقي في أي من منتجات الحبوب التي خضعت للاختبار، إذ تقاربت القيم التقديرية في البيئتين تقاربًا يجعل التباين بينهما غير معتبر إحصائيًا، ويشير ذلك إلى أن اختيارات المستهلكين للمنتجات داخل البيئات الافتراضية الغامرة تستند إلى تقييمات نقدية مشابهة لتقييماتهم في البيئات الحقيقية، وأن الانغماس البصري والحسي في البيئة الافتراضية لم يدفع المشاركين إلى المبالغة في التقييم أو التقليل منه على نحو منهجي، وقد جاءت نتائج نماذج مساحة التفضيل المستخدمة للتحقق من المتانة مؤيدة للصورة ذاتها، ما يعزز الثقة في استقرار الاستنتاج عبر أكثر من مواصفة نموذجية
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من المكانة المركزية لمقياس الاستعداد للدفع في اقتصاديات التسويق، إذ يُستخدم في تقدير الطلب وتسعير المنتجات الجديدة وقياس القيمة التي يمنحها المستهلك لخصائص المنتج المختلفة، فإذا كانت البيئة الافتراضية تنتج القيم ذاتها التي تنتجها البيئة الحقيقية، أمكن نقل كثير من الأسئلة البحثية التي يصعب اختبارها ميدانيًا لأسباب لوجستية أو مالية إلى المختبر الافتراضي بثقة أكبر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى أن تجارب الاختيار في بيئات الواقع الافتراضي الغامر يمكن أن تكون بديلًا عمليًا عن تجارب الاختيار التقليدية في العالم الحقيقي متى اقترنت بحوافز اقتصادية حقيقية، إذ قد تفضي إلى تقديرات للاستعداد للدفع مماثلة لتلك المستمدة من التجارب الواقعية، وهو ما يخدم شركات الأغذية عند اختبار العبوات والأسعار والتركيبات الجديدة قبل الإنتاج الفعلي، ويخدم الباحثين في بناء تجارب أكثر تحكمًا وقابلية للتكرار، غير أن حدود الدراسة تقتضي الحذر في التعميم، فالنتائج خاصة بمنتجات الحبوب الجاهزة للأكل وبعينة محددة وسياق تجريبي واحد، وقد تختلف الصورة مع منتجات تتطلب تذوقًا فعليًا أو تفاعلًا حسيًا أعمق من مجرد المشاهدة والاختيار
وتعزز هذه النتائج جدوى توظيف بيئات الواقع الافتراضي في استكشاف قرارات استهلاكية أوسع كاختيار العبوات والأحجام والعروض الترويجية قبل تنفيذها فعليًا، إذ يطمئن الباحث والمسوّق معًا إلى أن القيم المقدرة في العالم الافتراضي لا تحمل تحيزًا منهجيًا مصدره وسيط العرض ذاته، وهو ما يختصر كثيرًا من كلف التجارب الميدانية وزمنها
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا مطمئنًا على أن العالم الافتراضي الغامر لا يشوّه التقييمات النقدية للمستهلكين حين تُبنى التجربة على حوافز حقيقية، ما يجعلها أداة واعدة لبحوث التسويق الغذائي وتطوير المنتجات، مع بقاء الحاجة إلى تكرار الاختبار عبر منتجات وسياقات أوسع قبل اعتمادها بديلًا كاملًا عن التجارب الواقعية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
