تتناول هذه الدراسة إشكالية إقامة الاختصاص القضائي الشخصي على الجرائم المرتكبة عبر تقنية سلسلة الكتل، انطلاقًا من واقعة فارقة تمثلت في فرض وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس عام 2022 عقوبات على أداة خلط العملات الافتراضية المعروفة باسم تورنادو كاش، وهي برمجية مفتوحة المصدر لامركزية بالكامل تعمل على سلسلة كتل إيثيريوم، وما أعقب ذلك من اعتقال أحد مطوريها في هولندا، فقد كانت تلك المرة الأولى التي يمد فيها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية سلطته في معاقبة الأشخاص الأجانب لتشمل برمجية حاسوبية بذاتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص التحديات التي تواجه إقامة الاختصاص الجنائي على الجرائم المرتبطة بالعملات المشفرة، وإلى تحليل التوتر بين الأسس التقليدية للاختصاص القائمة على الجنسية والإقامة ومرور الأصول عبر الإقليم، وبين طبيعة البرمجيات اللامركزية التي تعمل عبر عقد شبكية موزعة حول العالم لا تخضع لسيطرة جهة واحدة
واعتمدت الدراسة منهجًا قانونيًا مقارنًا، فعرضت الأساس الذي تدعي به الحكومات الاختصاص على مواطنيها ومقيميها وعلى أي أصول تمر عبر أراضيها، وبيّنت كيف يسهّل موقع الولايات المتحدة مركزًا ماليًا عالميًا ومقرًا لمعظم شركات التقنية الكبرى إقامة الاختصاص على سلوك عالمي يمر عبر خوادمها، ثم قارنت بين مقاربات الدول المختلفة في التعامل مع هذه المعضلة
وتكتسب الدراسة أهميتها من أن واقعة تورنادو كاش لم تكن إجراء عقوبات تقليديًا، بل سابقة مدت فيها سلطة الدولة إلى الشيفرة المصدرية ذاتها، ومن أن اعتقال أحد المطورين في دولة أخرى أثار تساؤلات عن مسؤولية كاتب البرمجية عن استخدامات لا يسيطر عليها، وهي تساؤلات جعلت مسألة الاختصاص القضائي بوابة النقاش القانوني الأوسع حول حوكمة التقنيات اللامركزية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن البرامج اللامركزية على سلاسل الكتل تتحدى المقاربة التقليدية للاختصاص تحدٍيًا جوهريًا، إذ يترتب على المنطق التقليدي أحد مآلين إشكاليين، فإما أن تدعي جميع الدول تقريبًا الاختصاص على المستخدمين فيخضع هؤلاء لقوانين جنائية في دول لا تربطهم بها صلة حقيقية، وإما أن تُقيَّد الاختصاصات تقييدًا شديدًا فيُفتح الباب أمام إساءة الاستخدام من الفاعلين السيئين دون رادع فعال
وبيّنت الدراسة أن واقعة تورنادو كاش أظهرت اتساع سلطة العقوبات لتشمل الشيفرات البرمجية ذاتها لا الأشخاص فحسب، وأن غياب مركز تشغيل واحد للبرمجيات اللامركزية يجعل تحديد الدولة صاحبة الاختصاص الأقوى صلة بالنزاع مسألة خلافية لم تحسمها التشريعات ولا الاجتهادات القضائية بعد
وناقشت الدراسة كيف أن الطبيعة الموزعة لعقد الشبكة تجعل كل دولة تقريبًا قادرة على ادعاء صلة إقليمية بالنشاط المشفر، وأن هذا التعدد غير المنضبط في الاختصاصات يهدد بيئة الابتكار المفتوح ويعرّض المطورين والمستخدمين لمساءلات متزامنة في ولايات قضائية متباينة، في حين أن تضييق الاختصاص يغري المنصات الإجرامية بالتمركز في الملاذات الآمنة قضائيًا
كما فرّق التحليل بين فرض العقوبات الاقتصادية بوصفها أداة سياسة خارجية وبين إقامة الاختصاص الجنائي على الأفراد، مبينًا أن الخلط بين المسارين في واقعة تورنادو كاش هو ما جعل القضية سابقة معقدة، إذ امتزجت فيها اعتبارات الأمن المالي بمبادئ الاختصاص الجنائي التقليدية وبأسئلة حرية تطوير البرمجيات مفتوحة المصدر ونشرها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة حاجة المشرعين والقضاة إلى أطر اختصاص مصممة خصوصًا للبيئات اللامركزية توازن بين ملاحقة الجريمة المالية وحماية المستخدمين من الخضوع العشوائي لقوانين أجنبية، وتفيد نتائجها الباحثين في القانون الجنائي الدولي والممارسين في قضايا الأصول المشفرة عند بناء الدفوع المتعلقة بالاختصاص، كما تنبه صانعي السياسات إلى مخاطر التوسع غير المنضبط في سلطات العقوبات التقنية
وتقترح دلالات الدراسة أن التعاون القضائي الدولي والاتفاقات متعددة الأطراف قد يكونان السبيل الأنجع لتوزيع الاختصاص على أسس موضوعية كجنسية الجاني أو مكان تحقق الضرر الأكبر، وأن التشريعات الوطنية مطالبة بتعريف دقيق للفعل المجرّم في البيئة اللامركزية حتى لا تتحول العقوبات على البرمجيات إلى أداة ردع عامة تخنق الاستخدامات المشروعة للتقنية
ويلفت التحليل إلى أن المطورين مفتوحي المصدر أصبحوا عرضة لمساءلات لم تكن في حسبان نماذج التطوير التعاوني، وأن هذا التطور قد يدفع مجتمعات البرمجيات الحرة إلى إعادة التفكير في هياكل الحوكمة والمسؤولية، كما قد يدفع الدول إلى التمييز تشريعيًا بين كتابة الشيفرة وتشغيل الخدمة عند ترتيب المسؤولية الجنائية والمدنية
وخلاصة القول إن إساءة استخدام المجرمين لسلاسل الكتل تضع القانون أمام معضلة اختصاص لم يعرفها من قبل، وإن المقاربة المقارنة التي تقدمها الدراسة ترسم ملامح طريق وسط يحفظ سيادة القانون دون خنق الابتكار التقني المشروع








