تتصارع في الثقافة القانونية الغربية رؤيتان كبيرتان لكيفية عمل القانون ومصدر شرعيته، رؤية تحليلية وضعية ترى القانون منظومة قواعد تصنعها مؤسسات خبيرة وتطبقها على المجتمع من علٍ، ورؤية عملية تاريخية ترى القانون ثمرة خبرة إنسانية متراكمة تنمو من أسفل عبر السوابق والممارسات، وتقف هذه الدراسة عند هذين القطبين ممثلين بفيلسوفين كبيرين هما لون فولر ورونالد دوركين وتقارن بين تقليديهما ونتائجهما
ترى الدراسة أن مقاربة دوركين وغيره من الفلاسفة التحليليين والوضعيين للقانون تقود بلا محالة إلى التسييس والشمولية وقلة العدالة وقلة الثقة بالحكومات وقلة الحقيقة، بينما تقوم المقاربة الأعملية لفولر على خبرة السلوك الإنساني وتحليل ما نجح في الماضي، وهي المقاربة ذاتها التي استخدمها تقليد القانون العام تقليديًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء مقارنة بين التقليدين الغربيين وتاريخهما وأبرز فلاسفة القانون فيهما، لبيان كيف ولماذا تتسق مقاربتا دوركين وفولر مع هذين التقليدين ولا تتسقان معهما، يعقب ذلك تحليل مقارن للنتائج التي حققتها منظمات دولية غير حكومية بارزة تقيس مؤشرات سيادة القانون والعدالة والثقة عبر البلدان
اعتمدت الدراسة منهجًا مقارنًا تاريخيًا تحليليًا، فتتبعت جذور تقليد القانون المدني القاري وتقليد القانون العام وتطورهما، ووازنت بين النظريتين الفلسفيتين على ضوء هذا التاريخ، ثم فحصت بيانات مؤشرات دولية مستقلة لاختبار أي المقاربتين ارتبطت بتحقق أفضل للعدالة والثقة
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن مقاربة دوركين، الناشئة عن الفلسفة التحليلية، غير قابلة للعمل لأنها، شأن جميع النظريات العلموية، تعامل البشر بمنطق آلي وتخفف من المسؤولية الشخصية وتتجاهل الحاجة إلى الحافز الفردي وتفترض حكومة خبراء شاملة القدرة تصنع القرارات القانونية نيابة عن الجماعة
وفي المقابل بيّنت الدراسة أن الدور الصحيح للقانون في مقاربة فولر ضمن تقليد القانون العام هو إدارة الصراع، إذ الصراع لا يمكن منعه ولا حله دائمًا، وبذلك يبني القانون ثقة الجمهور بالحكومة بوصفها غير متحيزة وغير مسيسة قدر الإمكان، فهذا التصور لسيادة القانون يضع القانون فوق الحكومة ويقلل التسييس ويحفّز المسؤولية الشخصية والحافز الفردي وريادة الأعمال، وهو الخير العام الحقيقي الوحيد بين البشر بحسب الدراسة
وتستند الدراسة في ترجيحها إلى شواهد مقارنة من مؤشرات دولية مستقلة تقيس سيادة القانون والعدالة والفساد والثقة، إذ تدّعي أن البلدان الأقرب تاريخيًا إلى روح تقليد القانون العام ومؤسساته تحقق في هذه المؤشرات نتائج أفضل من بلدان هيمن عليها النموذج العلموي المركزي، وهو ادعاء يفتح بابًا واسعًا للمناقشة النقدية حول دقة عزو الفروق المؤسسية إلى النظريات الفلسفية وحدها، لكنه يمنح المقال قوة إقناعية تتجاوز الجدل النظري المجرد إلى ميدان المقارنة التاريخية والمؤسسية بين تجارب أمم مختلفة اختارت طرقًا متباينة في تنظيم قانونها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة الدراسة في ربطها النظرية الفلسفية المجردة بنتائج قابلة للملاحظة في مؤشرات الحوكمة والعدالة، فالاختيار بين نظريتين في فلسفة القانون ليس ترفًا أكاديميًا بل يترك أثرًا في مستوى الثقة العامة وجودة المؤسسات ودرجة الحرية الاقتصادية والسياسية
وتفيد نتائج الدراسة الباحثين في النظرية القانونية المقارنة وصانعي الإصلاحات القانونية في البلدان التي تحتار بين نموذج التقنين الشامل ونموذج السوابق القضائية، كما تحذّر من استيراد نظريات قانونية مجردة دون اعتبار لشروط التربة المؤسسية والثقافية التي نمت فيها
ويظل هذا الترجيح قابلًا للمراجعة النقدية كما هي طبيعة الدراسات المقارنة الكبرى، فقد يعترض معترض بأن المؤشرات الدولية ذاتها منحازة منهجيًا إلى قياس ما تجيده دول التقليد الأنجلوسكسوني، أو بأن عوامل اقتصادية وجيوسياسية تفسر فروق الثقة والعدالة أكثر مما تفسرها النظريات الفلسفية، غير أن قيمة المقال لا تتوقف على قبول قارئه كل استنتاجاته، بل تكمن في جرأته على طرح السؤال الرابط بين الفلسفة والمؤسسات ودعوته الباحثين إلى اختبار هذه الروابط بأدوات تاريخية وإحصائية أدق، وهو بذلك يثري حقل النظرية القانونية المقارنة سواء انتهى القارئ إلى موافقته أو مخالفته
كما يلفت المقال النظر إلى أن الصراع بين التقليدين ليس صراعًا غربيًا خالصًا، فكل نظام قانوني في العالم يوازن اليوم بين جاذبية التقنين الشامل الموحد ومرونة الاجتهاد القضائي التراكمي، وعلى ضوء هذه الموازنة تتحدد درجة تسييس القضاء وثقة المواطنين فيه، ومن ثم تمنح الدراسة مقرري الإصلاحات القانونية في أي سياق معيارًا للحكم هو أثر الاختيار المؤسسي في الثقة والحرية قبل أي اعتبار نظري آخر
وخلاصة القول إن المقارنة بين فولر ودوركين ليست مقارنة بين فيلسوفين فحسب بل بين تقليدين ومصيرين مؤسسيين، وترجّح الدراسة كفة تقليد القانون العام بمنطق فولر العملي الذي يجعل القانون مديرًا للصراع وحارسًا للثقة، وترى في المقاربة العلموية التحليلية طريقًا إلى التسييس وتراجع العدالة والثقة والحقيقة معًا
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








