تُعد الاستدامة المالية من القضايا الكبرى في عملية التنمية، ولا سيما في الدول النامية، وقد انطلق التمويل الأصغر من هدفين أساسيين هما الحد من الفقر وتمكين النساء، غير أن مقدمي التمويل الأصغر غير المستدامين ماليًا لا يستطيعون مساعدة الفقراء لمدة طويلة بسبب عدم اليقين بشأن استمرار وجودهم ذاته، فالمنشأة التي تعتمد كليًا على الدعم الحكومي أو الجهات المانحة تظل عرضة للتوقف حين يتراجع هذا الدعم، ومن هنا بحثت هذه الدراسة في كيفية تأثر الاستدامة المالية لقطاع التمويل الأصغر في باكستان بعوامل مختلفة، وبنت مؤشرًا جديدًا لقياس هذه الاستدامة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
طوّرت الدراسة مؤشرًا جديدًا للاستدامة المالية يقيس الجدوى المالية لمقدمي التمويل الأصغر، ووظفت منهج طريقة العزوم المعممة في تحليل بيانات لوحية شملت 34 من مقدمي التمويل الأصغر في باكستان، بما يعادل 344 سنة مالية من المشاهدات امتدت من عام 2006 إلى عام 2018، وفحصت أثر مجموعة من العوامل في الاستدامة المالية، منها حجم القروض، وعدد المقترضات من النساء، والسيولة، والرافعة المالية، وإجمالي عدد المقترضين، وتكلفة التشغيل لكل مقترض، وهدفت إلى تحديد أي هذه العوامل يعزز الجدوى المالية للمؤسسات وأيها يضعفها، بما يوجه إداراتها وصانعي السياسات نحو ممارسات أكثر استدامة
ويستند بناء مؤشر جديد للاستدامة المالية إلى الحاجة إلى مقياس جامع يعبر عن قدرة مؤسسة التمويل الأصغر على تغطية تكاليفها والاستمرار في تقديم خدماتها دون اعتماد دائم على الدعم الخارجي، بينما تتناسب طريقة العزوم المعممة مع بيانات لوحية، إذ تعالج الارتباطات الداخلية بين المتغيرات وتتيح اختبار أثر كل عامل مع ضبط العوامل الأخرى، وقد غطت البيانات مدة زمنية طويلة سبقت جائحة كوفيد-19، وهو ما يمنح النتائج أساسًا زمنيًا متينًا
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن زيادة حجم القروض وعدد المقترضات والسيولة والرافعة المالية تعزز تعزيزًا دالًا الجدوى المالية لمقدمي التمويل الأصغر في باكستان، فتوسيع محفظة الإقراض وخدمة شريحة واسعة من النساء وإدارة السيولة والتمويل بالديون بصورة رشيدة ترتبط جميعها باستدامة مالية أعلى، وفي المقابل بيّنت النتائج أن إجمالي عدد المقترضين وتكلفة التشغيل لكل مقترض يؤثران سلبًا في الاستدامة المالية لهذه المؤسسات، بما يشير إلى أن التوسع الكمي في أعداد العملاء دون ضبط للتكاليف قد يرهق المؤسسة ماليًا، وتؤكد الدراسة أن مؤسسات التمويل الأصغر تحتاج إلى أن تكون مستقلة ماليًا بدعم حكومي أو مانح قليل أو منعدم حتى تضمن استمرارها في خدمة الفقراء
وتتضح من النتائج معالم معادلة الاستدامة في التمويل الأصغر الباكستاني، إذ تشير إلى أن العوامل المرتبطة بحجم العمليات وكفاءة إدارة التمويل والسيولة هي التي تصنع الجدوى المالية، فحجم القروض الأكبر وعدد المقترضات الأوسع والسيولة المدارة والرافعة المالية المحسوبة ترتبط جميعها باستدامة أعلى، في حين أن التوسع العددي المجرد في إجمالي المقترضين وارتفاع كلفة تشغيل خدمة كل مقترض يخصمان من هذه الاستدامة، بما ينبه إلى أن النمو الكمي غير المنضبط قد يتحول إلى عبء مالي في هذا القطاع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات لإدارات مؤسسات التمويل الأصغر وصانعي السياسات في الدول النامية، إذ ترشدهم إلى التركيز على رفع متوسط حجم القروض وتعزيز إقراض النساء وتحسين إدارة السيولة والرافعة المالية، مع ضبط تكلفة التشغيل لكل مقترض وعدم التوسع في أعداد المقترضين على حساب الكفاءة، كما يبين البحث أن مقدمي التمويل الأصغر المستدامين ماليًا يسهمون في تحقيق ثمانية من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر لعام 2030 التي أقرتها الأمم المتحدة، وينبه إلى أن بيانات عام 2018 فصاعدًا تأثرت تأثرًا خطيرًا بجائحة كوفيد-19 فلا يمكن إدراجها في مجموعة البيانات الحالية، ويوصي بأن يحلل الباحثون مستقبلًا بيانات فترتي ما قبل الجائحة وما بعدها للمقارنة وفحص أثر الجائحة
وعلى مستوى الممارسة، يمكن لإدارات مؤسسات التمويل الأصغر أن تتخذ من المؤشر الجديد أداة متابعة دورية لقياس تقدمها نحو الاستقلال المالي واكتشاف مواطن التراجع مبكرًا، ويمكن للجهات الرقابية والمانحة أن توجه دعمها نحو بناء قدرات الاستدامة بدل إطالة الاعتماد على الإعانات، كما يعزز ارتباط الاستدامة المالية بأهداف التنمية المستدامة مكانة هذا القطاع في خطط التنمية الوطنية، فلا حدّ مستدام من الفقر بتمويل أصغر هش لا يستطيع البقاء في خدمة الفئات الأشد احتياجًا
وخلاصة القول إن الاستدامة المالية للتمويل الأصغر في باكستان تتعزز بحجم القروض الأكبر وإقراض النساء والسيولة والرافعة المالية الرشيدة، وتتضرر من تضخم أعداد المقترضين وارتفاع تكلفة التشغيل لكل مقترض، وإن استقلال هذه المؤسسات ماليًا شرط لاستمرارها في الحد من الفقر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
