ينتشر الاشتراك في خدمات متعددة للفيديو عند الطلب، وهو ما يعرف بتعدد مواطن الاشتراك، بصورة متزايدة بين المشاهدين حول العالم، إذ لم يعد كثير من المستخدمين يكتفون بمنصة واحدة بل يجمعون بين اشتراكات عدة لتنويع المحتوى المتاح لهم، ويطرح هذا السلوك أسئلة عن علاقته باستهلاك وسائل الإعلام التقليدية وعن العوامل التي تدفع إليه، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى استكشاف العلاقة بين تعدد مواطن الاشتراك واستهلاك الإعلام التقليدي، وإلى تحديد العوامل الرئيسة التي تتنبأ بميل مستخدمي خدمات الفيديو عند الطلب إلى هذا السلوك
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
حلل الباحثان بيانات ممتدة من عام 2019 إلى عام 2021 عبر ست دول هي الولايات المتحدة وكندا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا، بهدف تقصي أثر استخدام خدمات الفيديو عند الطلب بالاشتراك في وقت مشاهدة وسائل الإعلام التقليدية، ثم استكشاف العوامل المتنبئة بسلوكيات تعدد مواطن الاشتراك، وميّز التحليل بين فئتين من المستخدمين هما متعددو مواطن الاشتراك الذين يجمعون بين خدمات عدة، وأحاديّو موطن الاشتراك الذين يكتفون بخدمة واحدة، وقارن بينهما في جوانب تشمل الخصائص السكانية وتفضيلات نمط الحياة وتوقعات المحتوى وعادات الاستخدام
ويعني تعدد مواطن الاشتراك أن يشترك المستخدم في أكثر من خدمة فيديو عند الطلب في الوقت ذاته، بينما يعني الاشتراك الأحادي اكتفاءه بخدمة واحدة، وتتنافس هذه الخدمات مع وسائل الإعلام التقليدية كالتلفاز الأرضي والكابلي على وقت المشاهد وانتباهه، وقد افترضت توقعات كثيرة أن انتشار الخدمات الرقمية سيقصي الإعلام التقليدي ويستنزف جمهوره، غير أن سلوك المستخدمين الفعلي قد يكون أكثر تعقيدًا من هذا الافتراض، وهو ما استدعى فحص العلاقة بين نمطي الاستهلاك فحصًا تجريبيًا عبر أسواق دولية متنوعة تختلف في ثقافاتها الإعلامية ونضج أسواقها الرقمية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن مستخدمي تعدد مواطن الاشتراك أكثر ميلًا إلى استهلاك المحتوى على منصات الإعلام التقليدية، كالتلفاز الأرضي أو الكابلي، مقارنة بمستخدمي الاشتراك الأحادي، بما يناقض الافتراض الشائع بأن المنصات الرقمية تزاحم الإعلام التقليدي بالضرورة، وحددت الدراسة عوامل فارقة جوهرية بين الفئتين تشمل الخصائص السكانية، وتفضيلات نمط الحياة، وتوقعات المحتوى، وعادات الاستخدام، وبصفة خاصة ما يتصل بمشاركة الحسابات بين الأفراد وبأجهزة المشاهدة الرئيسة المستخدمة في استهلاك المحتوى، فالمستخدم المتعدد المواطن يبدو أكثر انخراطًا في المشاهدة عمومًا وأكثر تنويعًا في مصادر محتواه وأجهزته من نظيره الأحادي
وتفصّل العوامل الفارقة صورة المستخدم المتعدد المواطن، فمن حيث الخصائص السكانية وتفضيلات نمط الحياة يختلف عن الأحادي في ملامح ترتبط بحياته اليومية واهتماماته، ومن حيث توقعات المحتوى يبحث عن تنوع أوسع لا توفره خدمة واحدة، ومن حيث عادات الاستخدام تبرز مشاركة الحسابات مع آخرين وأنواع الأجهزة الرئيسة المستخدمة في المشاهدة بوصفهما سمتين ملازمتين لتعدد الاشتراكات، وتشير هذه الفروق مجتمعة إلى أن المتعدد مشاهد أكثر انخراطًا في المشاهدة عمومًا، يوزع وقته واشتراكاته بين قنوات متعددة ولا يستبدل إحداها بالأخرى استبدالًا كاملًا، بل يبني محفظة مشاهدة تجمع بين القديم والحديث
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تعد هذه النتائج مهمة لمقدمي خدمات الفيديو عند الطلب ولمقدمي الإعلام التقليدي على حد سواء، إذ تقدم إرشادًا استراتيجيًا للشركات لتعمل بفاعلية في أسواق دولية متنوعة، فبوسع المنصات الرقمية أن تصمم عروضها وباقاتها بما يناسب خصائص المتعددين والأحاديين كل على حدة، وأن تستثمر في فهم عادات مشاركة الحسابات وتفضيلات الأجهزة، وبوسع وسائل الإعلام التقليدية أن تستفيد من حقيقة أن جمهور المنصات الرقمية ما يزال مرتبطًا بها فتبني استراتيجيات تكامل لا إحلال، كما يقدم هذا التحليل الشامل لسلوك تعدد مواطن الاشتراك منظورًا جديدًا لديناميكيات استهلاك الإعلام العالمي وتفاعل قنواته القديمة والحديثة
ويمكن لمقدمي الخدمات أن يبنوا على هذه المعرفة في تصميم استراتيجيات الاستبقاء والتسعير، فالمستخدم المتعدد لا يحتاج إلى إقناعه بقيمة المشاهدة عند الطلب بقدر حاجته إلى محتوى حصري وتجربة متميزة تجعله يبقي الاشتراك ضمن محفظته المتنوعة، ويمكن لوسائل الإعلام التقليدية أن تستثمر استمرار ارتباط هذا الجمهور بها في تطوير عروض مكملة وحضور رقمي متكامل مع قنواتها الأصلية، كما تفتح الدراسة بابًا لدراسات طولية ومقارنة تتبع تحولات هذا السلوك مع تغير عروض المنصات وأسعارها ودرجات تشبع الأسواق العالمية بمرور الزمن
وخلاصة القول إن تعدد مواطن الاشتراك في خدمات الفيديو عند الطلب سلوك متنامٍ لا يلغي الإعلام التقليدي بل يقترن باستهلاك أعلى له، وإن فهم عوامله من خصائص سكانية وتفضيلات حياة وتوقعات محتوى وعادات استخدام يمنح مقدمي الخدمات الرقمية والتقليدية أساسًا سليمًا لبناء استراتيجيات تنافسية في أسواق عالمية متغيرة








