يلاحظ في كثير من النظم التعليمية عزوف واضح لدى المعلمين عن الترشح لمواقع القيادة المدرسية رغم حاجة المدارس الماسة إلى قادة تربويين أكفاء، ويقف وراء هذا العزوف قلق ينتاب المعلمين تجاه تولي تلك المواقع وما يرافقها من أعباء ومسؤوليات، وفهم مصادر هذا القلق والعوامل المخففة له خطوة لازمة لمعالجته، وهو ما عنيت به هذه الدراسة بفحص أثر غموض الدور المدرك والنماذج الذهنية للقيادة المدرسية في قلق المعلمين بشأن السعي إلى مواقع القيادة المدرسية، مع اختبار الدور الوسيط لمعتقدات الكفاءة الذاتية القيادية في هذه العلاقات
وتترتب على عزوف المعلمين المؤهلين عن القيادة المدرسية كلفة مؤسسية حقيقية، إذ تضيق قاعدة الاختيار وتضطر الإدارات التعليمية أحيانًا إلى إسناد القيادة لمن لم يستعد لها أو لمن لا يرغبها رغبة حقيقية، فيتأثر مناخ المدرسة وأداؤها، ويقف القلق في قلب هذه الظاهرة عاملًا نفسيًا صامتًا يستحق التفكيك، فقد يتردد المعلم الكفء لا لضعف قدرته بل لتصور غامض عما ينتظره في الموقع القيادي، أو لصورة ذهنية مشوهة عن القائد المدرسي مثقلًا بالأعباء والصراعات، وفي المقابل قد تدفع صورة واضحة واقعية وثقة راسخة بالنفس معلمين آخرين إلى الإقدام، وهذه العوامل القابلة للتعديل بالسياسات هي ما ركزت عليه الدراسة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لغموض الدور المدرك والنماذج الذهنية للقيادة المدرسية في قلق المعلمين حيال شغل مواقع قيادية مدرسية، والكشف عن وساطة معتقدات الكفاءة الذاتية القيادية بين هذه المتغيرات، واعتمدت تصميمًا ارتباطيًا مقطعيًا شاركت فيه عينة عشوائية قوامها 390 معلمًا، ووظفت الأساليب الإحصائية متعددة المتغيرات ونمذجة المعادلات البنائية في تحليل العلاقات المفترضة بين متغيراتها، وبذلك أمكن التمييز بين الأثر المباشر لكل عامل في القلق والأثر المنقول عبر ثقة المعلم بقدرته على القيادة، في صورة تفسيرية متكاملة للظاهرة
وقد سمح توظيف نمذجة المعادلات البنائية مع الأساليب الإحصائية متعددة المتغيرات باختبار نموذج تفسيري متكامل يضم التأثيرات المباشرة وغير المباشرة معًا، بدل الاكتفاء بارتباطات ثنائية مبسطة قد تخفي أدوار الوساطة الجوهرية، فالكفاءة الذاتية القيادية متغير نفسي دقيق لا يظهر أثره إلا حين يوضع في موضعه الصحيح داخل شبكة العلاقات، واختيار عينة عشوائية كبيرة نسبيًا قوامها 390 معلمًا عزز إمكانية تعميم النتائج على مجتمع المعلمين، كما أن التصميم المقطعي جعل الدراسة خطوة تشخيصية أولى ترسم خريطة العوامل المؤثرة تمهيدًا لتدخلات ودراسات طولية وتجريبية لاحقة تختبر فاعلية معالجة كل عامل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن غموض الدور المدرك رفع بدرجة دالة قلق المعلمين بشأن السعي إلى القيادة المدرسية، في حين خفضت النماذج الذهنية للقيادة المدرسية ذلك القلق، أي إن وضوح صورة القائد المدرسي ودوره في أذهان المعلمين يطمئنهم نحو الموقع، بينما يغذي الغموض مخاوفهم منه، كما توسطت الكفاءة الذاتية القيادية جزئيًا العلاقات بين النماذج الذهنية للقيادة وقلق المعلمين، بما يعني أن جزءًا من أثر تلك النماذج المطمئن يمر عبر تعزيز ثقة المعلم بقدرته على أداء مهام القيادة بنجاح، وهي ثقة كلما قويت ضعفت رهبة الإقدام
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم نتائج الدراسة في تطوير سياسات تخفف أثر العوامل المغذية لإحجام المعلمين عن أدوار القيادة وتشجع قراراتهم على توليها، وتشمل التطبيقات المستفادة توضيح أدوار القادة المدرسيين ومسؤولياتهم في الأدلة واللوائح وبرامج الإعداد بحيث ينحسر غموض الدور، وبناء نماذج ذهنية واقعية إيجابية عن القيادة المدرسية عبر الإرشاد المهني والقدوات الناجحة، وتنمية الكفاءة الذاتية القيادية لدى المعلمين الواعدين ببرامج تأهيل وتدريب متدرجة وخبرات قيادية موجهة، وهي إجراءات مجتمعة قادرة على توسيع قاعدة المرشحين للقيادة المدرسية وتحسين جودة من يتقدمون إليها
ويمكن ترجمة هذه النتائج إلى حزمة إجراءات متكاملة تبدأ من مرحلة ما قبل التعيين في القيادة، فتستحدث الإدارات التعليمية أدوارًا قيادية وسيطة يمارس فيها المعلمون الواعدون مهام إشرافية محدودة تبني خبرتهم وثقتهم تدريجيًا، وتصمم برامج إعداد قيادي تصف بصدق ووضوح طبيعة العمل القيادي ومسؤولياته فتقلص مساحة الغموض المخيف، وتربط المعلمين الطموحين بمرشدين من القادة الممارسين ينقلون إليهم صورة واقعية متوازنة عن المهنة، كما يحسن أن تقيس أنظمة الاختيار للقيادة معتقدات الكفاءة الذاتية لدى المرشحين لتوجيه الدعم نحو من يحتاجونه، وبمثل هذه السياسات يتحول الاهتمام بالقيادة المدرسية من انتظار المتقدمين إلى صناعتهم صناعة مقصودة
وخلاصة القول إن قلق المعلمين من القيادة المدرسية يتغذى على غموض الدور ويخف بالنماذج الذهنية الواضحة للقيادة وبالكفاءة الذاتية القيادية التي تتوسط أثرها جزئيًا، وإن معالجة هذا القلق بسياسات واضحة وتأهيل واثق تصنع جيلًا أوسع من القادة المدرسيين المقدمين بثقة








