يتميز الاستخدام الإشكالي للإنترنت بارتفاع وتيرة الاتصال بالشبكة وشدته وتداخله الكبير مع مجريات الحياة اليومية للفرد، وقد ربطته دراسات متعددة بضعف تنظيم الانفعالات، غير أن أحدًا لم يفحص تنظيم الانفعالات من منظور منظومة الأسرة التي يعيش المراهق في كنفها ويتأثر بعلاقاتها، وتسد هذه الدراسة تلك الفجوة بفحص العلاقة بين الاستخدام الإشكالي للإنترنت والسلوكيات الخطرة عبر الإنترنت والتمايز الذاتي والتسامح مع التنوع لدى المراهقين الإسبان، بما يربط الظاهرة الرقمية بسياقها الأسري والنفسي الأوسع، ويوجه الانتباه إلى عوامل أسرية يمكن العمل عليها وقائيًا وعلاجيًا
ويتخذ الاستخدام الإشكالي للإنترنت صورًا متعددة في حياة المراهق، من تعلق مفرط بالألعاب والمنصات إلى انشغال قهري بالهاتف يعطل النوم والدراسة والعلاقات، وهو بهذا المعنى ليس مجرد سلوك تقني بل خبرة نفسية اجتماعية متكاملة، وقد اعتادت الدراسات ربطه بمتغيرات فردية كالقلق والاكتئاب وضعف تنظيم الانفعالات، لكن المراهق لا يعيش وحده، بل داخل منظومة أسرية تتشكل فيها ذاته وحدودها وعلاقته بالآخرين، فمفاهيم كالتمايز الذاتي، أي قدرة الفرد على الموازنة بين الانتماء الأسري والاستقلال النفسي، لا تفهم فهمًا كاملًا خارج تلك المنظومة، ومن هذه الزاوية تحديدًا جاءت إضافة الدراسة الحالية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف علاقات الاستخدام الإشكالي للإنترنت بكل من السلوكيات الخطرة عبر الإنترنت والتمايز الذاتي والتسامح مع التنوع، واعتمدت تصميمًا مقطعيًا شارك فيه 361 مراهقًا إسبانيًا تتراوح أعمارهم بين 14 و21 عامًا، شكل الذكور منهم 48.2 في المئة والإناث 51.8 في المئة، وفحصت الدراسة الفروق في المتغيرات الرئيسة تبعًا للجنس وبنية الأسرة، كما اختبرت القدرة التنبؤية للاستخدام الإشكالي بمتغيرات التكيف النفسي والاجتماعي المدروسة، وبهذا قدمت صورة متكاملة تجمع بين وصف انتشار الظاهرة في العينة وتحديد ارتباطاتها الأسرية والنفسية وعواقبها السلوكية المحتملة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج فروقًا ذات دلالة إحصائية في متغيرات رئيسة تبعًا للجنس وبنية الأسرة، وتنبأ الاستخدام الإشكالي للإنترنت بتمايز ذاتي أضعف لدى المراهقين، وبسلوكيات خطرة أكبر عبر الإنترنت، وبتسامح أقل مع التنوع، وهكذا يتصل الانغماس الإشكالي في الشبكة بتراجع قدرة المراهق على تكوين ذات مستقلة متماسكة داخل منظومة أسرته، وبانفتاح أقل على قبول المختلف، وبانخراط أوسع في ممارسات رقمية محفوفة بالمخاطر، وتؤكد هذه الارتباطات أن الظاهرة ليست مجرد إفراط في ساعات الاتصال، بل مؤشر على اختلالات أوسع في التكيف النفسي والاجتماعي للمراهق
وتستحق ارتباطات الاستخدام الإشكالي بهذه المتغيرات الثلاثة تأملًا أعمق، فضعف التمايز الذاتي يعني مراهقًا أكثر اندماجًا انفعاليًا بأسرته أو أكثر انسحابًا منها بغير نضج، وكلا النمطين يضعف استقلاله النفسي الذي تحتاجه مواجهة إغراءات الشبكة بوعي، وارتفاع السلوكيات الخطرة عبر الإنترنت ينقل الأذى المحتمل من مجرد إضاعة الوقت إلى التعرض الفعلي لمخاطر الخصوصية والتواصل غير الآمن، أما انخفاض التسامح مع التنوع فيحمل دلالة اجتماعية مقلقة، إذ قد ترسخ بيئات رقمية مغلقة تصورات منغلقة عن المختلف بدل أن توسع آفاق المراهق، وهكذا يرسم الاستخدام الإشكالي صورة مركبة من الخلل النفسي والسلوكي والاجتماعي المتداخل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تناقش الدراسة في ضوء نتائجها مضامين عملية للممارسة المهنية، إذ تستدعي مواجهة الاستخدام الإشكالي للإنترنت تدخلات تتجاوز ضبط زمن الشاشة إلى العمل مع منظومة الأسرة ذاتها، وتقوية التمايز الذاتي الصحي لدى المراهقين، وتربية رقمية تحصنهم من السلوكيات الخطرة وتنمي قبولهم للتنوع، كما تقترح الدراسة خطوطًا لبحوث مستقبلية تتتبع الظاهرة طوليًا وتفحص أدوار متغيرات أسرية إضافية وفاعلية برامج وقائية مدرسية وأسرية، وتفيد نتائجها المرشدين النفسيين والاجتماعيين في المدارس عند بناء خطط إرشاد تستهدف المراهقين المهددين وأسرهم معًا
وفي ضوء هذه الصورة تصبح التربية الرقمية الأسرية خط الدفاع الأول، إذ يمكن للوالدين أن يمارسا وساطة نشطة تناقش المحتوى وتضع قواعد متفقًا عليها بدل المنع الانفرادي الذي كثيرًا ما يدفع المراهق إلى الخفاء، كما يمكن للمدارس أن تضمن مناهجها وحدات في السلامة الرقمية ومهارات تنظيم الانفعالات وإدارة الذات، وأن يتدرب المرشدون على رصد علامات الاستخدام الإشكالي المبكرة والإحالة المناسبة، أما البحوث المستقبلية التي تقترحها الدراسة فينتظر منها أن تتجاوز التصميم المقطعي إلى تصميمات طولية توضح اتجاه السببية بين الاستخدام الإشكالي ومتغيراته، وأن تختبر فاعلية تدخلات أسرية ومدرسية مصممة لهذا الغرض
وخلاصة القول إن الاستخدام الإشكالي للإنترنت لدى المراهقين الإسبان يرتبط بتمايز ذاتي أضعف وسلوكيات رقمية أخطر وتسامح أقل مع التنوع، وإن فهمه من منظور منظومة الأسرة يفتح بابًا لتدخلات وقائية وإرشادية أشمل من مجرد تقييد الاتصال بالشبكة








