تقف مجتمعات التعلم المهني في قلب جهود تطوير المدارس المعاصرة، إذ تحول المعلمين من ممارسين منفردين داخل فصول مغلقة إلى مجتمع مهني يتعلم أفراده من بعضهم باستمرار، غير أن بناء هذه المجتمعات لا يحدث بالأوامر الإدارية وحدها، بل يتوقف على دافعية المعلمين أنفسهم نحو التطوير المهني المستمر، وهي دافعية ليست نوعًا واحدًا، فقد تنبع من متعة داخلية أصيلة، أو من التزام بقيم مهنية، أو من شعور داخلي بالضغط، أو من حوافز ومطالب خارجية، أو قد تنعدم أصلًا، ومن هنا جاءت هذه الدراسة المنشورة في مجلة سايج أوبن لتفحص العلاقات بين أنواع دافعية المعلمين نحو التطوير المهني المستمر وبناء مجتمعات التعلم المهني في المدارس، باستخدام نمذجة المعادلات البنائية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الآثار المباشرة لأنواع دافعية المعلمين نحو التطوير المهني المستمر في تطوير مجتمعات التعلم المهني، وقد شملت هذه الأنواع انعدام الدافعية، والتنظيم المحدد الذي يتبنى فيه المعلم أهداف التطوير بوصفها قيّمة ومتسقة مع ذاته، والتنظيم الخارجي المدفوع بالمكافآت والمتطلبات، والتنظيم المستبطن المدفوع بمشاعر داخلية كإثبات الذات وتجنب الشعور بالذنب، والدافعية الداخلية النابعة من المتعة والاهتمام الأصيلين، واتبعت الدراسة تصميمًا كميًا ارتباطيًا، وكانت مصادر بياناتها الرئيسة 342 معلمًا ومعلمة في المدارس الابتدائية والمتوسطة في منطقة أوي الإدارية بإثيوبيا اختيروا بطريقة عشوائية، وأجابوا عن الاستبانة المعدة لأغراض الدراسة
وإلى جانب الآثار المباشرة، فحصت الدراسة الآثار الوسيطة بين أنواع الدافعية ذاتها، إذ قد لا تعمل هذه الأنواع مستقلة، فقد تقود الدافعية الداخلية مثلًا إلى تحويل الدوافع الأقل استقلالية إلى وقود لبناء مجتمع التعلم، أو قد تعجز أنواع معينة من الدافعية عن إحداث أي أثر إلا عبرها، ويمنح توظيف نمذجة المعادلات البنائية الدراسة قدرة على اختبار هذه الشبكة من العلاقات المباشرة والوسيطة في نموذج واحد متكامل، بدل دراسة كل علاقة منعزلة عن أخواتها
ثانيًا: أبرز النتائج
أكدت نتائج الدراسة أن دافعية المعلمين الداخلية نحو التطوير المهني المستمر والتنظيم الخارجي يمارسان أثرًا مباشرًا إيجابيًا قويًا ودالًا إحصائيًا في بناء مجتمعات التعلم المهني في المدارس، على خلاف التنظيم المحدد والتنظيم المستبطن وانعدام الدافعية التي لم يظهر لها أثر مباشر مماثل، وفي مقدمة هذه النتائج تبرز الدافعية الداخلية بوصفها المحرك الأقوى، فالمعلم الذي يجد في تطويره المهني متعة واهتمامًا حقيقيين هو الأقدر على الإسهام في قيام مجتمع تعلم مهني نابض داخل مدرسته والمشاركة الفاعلة في أنشطته
كما كشفت النتائج عن دور وسيط محوري للدافعية الداخلية، فقد توسطت توسطًا كاملًا تأثير كل من التنظيم المستبطن والتنظيم المحدد في تعزيز مجتمعات التعلم المهني، بما يعني أن هذين النوعين من الدافعية لا يؤثران في بناء المجتمع المهني إلا حين يتحولان إلى دافعية داخلية أصيلة لدى المعلم، في حين لم يكن لانعدام الدافعية والتنظيم الخارجي مثل هذا الأثر الوسيط عبر الدافعية الداخلية، وبذلك ترسم النتائج خريطة دقيقة لطرق تأثير الدافعية، تبرز فيها الدافعية الداخلية عقدة مركزية تتجمع عندها خيوط الأنواع الأخرى أو تتلاشى قبل بلوغ الهدف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة بذلك الدور الحاسم للدافعية الداخلية في تعزيز تطوير مجتمعات التعلم المهني في المدارس، وتدعو أصحاب المصلحة التربويين إلى إعطاء الأولوية للمبادرات التي تغذي دافعية المعلمين الداخلية واستقلاليتهم وإحساسهم بالغاية، بدل الاكتفاء بالحوافز الخارجية والمتطلبات الإلزامية التي قد تحقق حضورًا شكليًا في أنشطة التطوير دون انخراط حقيقي في مجتمع التعلم، فالمدارس التي تريد مجتمعات تعلم مهنية حية تحتاج إلى معلمين يتعلمون لأنهم يريدون ذلك ويجدون فيه معنى، ومن هنا تصلح نتائج الدراسة مرشدًا لمديري المدارس ومخططي التطوير المهني في سياقات تعليمية كثيرة تتقاسم التحدي نفسه، وهو تحويل التطوير المهني من عبء مفروض إلى ثقافة مهنية محببة، كما ينبغي أن تراعي برامج التطوير المهني الفروق الفردية بين المعلمين في مصادر دافعيتهم، فلا تُصمم بوصفها جرعة واحدة تصلح للجميع
وخلاصة القول إن مجتمعات التعلم المهني لا تُبنى بالقرارات بل بدافعية المعلمين، وفي قلب هذه الدافعية تقف الدافعية الداخلية ملكة متوجة، فهي الأقوى أثرًا مباشرًا، وهي القناة التي يمر عبرها أثر الأنواع الأخرى من الدوافع، ومن ثم فإن الاستثمار في متعة المعلم بمهنته وإحساسه بالاستقلالية والغاية هو أقصر الطرق إلى مدارس تتعلم باستمرار
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








