يُعد الابتكار، ممثلًا في تقنية المعلومات، شرطًا أساسيًا لبقاء الشركات في المنافسة، إذ توظف به الشركات أداءها المالي وكفاءة عملياتها، غير أن الابتكار التقني الحديث، ممثلًا في الذكاء الاصطناعي، لم يعد يستبدل بالجهد العضلي كما فعلت الآلات قديمًا، بل صار قادرًا على منافسة الإبداع البشري والعمل الذهني ذاته، فازداد شعور الموارد البشرية بانعدام الأمن الوظيفي على اختلاف مستوياتها، وهكذا تتعارض مصالح الشركات الساعية إلى الابتكار مع مصالح العمال القلقين على وظائفهم، فينشأ لدى العمال دافع لمقاومة الابتكار كما قاوم أسلافهم إدخال الآلات، وتزداد حدة هذا القلق لدى الفئات العمالية الأضعف، وبخاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية حين تسعى الشركات إلى خفض تكاليف العمالة، ومن هنا جاءت هذه الدراسة المنشورة في مجلة سايج أوبن لتفحص العلاقة بين كثافة ابتكار تقنية المعلومات ومقاومة العمال لهذا الابتكار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر كثافة ابتكار تقنية المعلومات في مقاومة العمال للابتكار، مميزة مكونين لهذه الكثافة، مكون النظم المتعلق بالبنية والأنظمة التقنية المعتمدة، ومكون العمليات المتعلق بإعادة تشكيل إجراءات العمل وأساليبه، كما هدفت إلى تحديد الآثار المعدِّلة لعاملين، أولهما ضعف العمال وهشاشة أوضاعهم في سوق العمل، وثانيهما الأداء المالي للشركة، إذ افترضت الدراسة أن مقاومة الابتكار لا تتحدد بكثافته وحده، بل تتفاعل مع خصائص القوة العاملة والظرف المالي للمنظمة، فالشركة المتعثرة ماليًا أقدر على إثارة مخاوف عمالها من أن يكون الابتكار مقدمة لتقليص الوظائف، وقد اعتمدت الدراسة في اختبار هذه الفروض على بيانات دراسة لوحية كورية للعمل والدخل في كوريا الجنوبية، وهي قاعدة بيانات طولية واسعة ترصد أوضاع العمال وأماكن عملهم عبر الزمن
وتنطلق الدراسة من إطار تاريخي واسع، فمقاومة العمال للتقنية ليست ظاهرة جديدة، بل رافقت كل موجة ابتكار منذ الثورة الصناعية، غير أن الموجة الحالية تختلف نوعيًا لأن التقنية باتت تنافس القدرات المعرفية والإبداعية التي كانت تعد حصن الإنسان الأخير، ولأن فئات عمالية واسعة، بما فيها أصحاب الياقات البيضاء، أصبحت تشعر بأن وظائفها قابلة للاستبدال، وبذلك يصبح فهم محددات المقاومة شرطًا لأي إدارة ناجحة للتحول التقني داخل المنظمات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أماكن العمل التي ترتفع فيها نسبة العاملات من النساء أكثر ميلًا إلى إبداء مقاومة للابتكار استجابة لابتكار تقنية المعلومات، بما يشير إلى أن تركيبة القوة العاملة من حيث النوع ترتبط بدرجة الإحساس بانعدام الأمن الوظيفي أمام التحول التقني، كما أظهرت النتائج أن هذا الميل إلى المقاومة يشتد كلما ساء الأداء المالي للشركة، ففي الشركات المتعثرة تتحول كثافة الابتكار إلى إشارة تهديد أقوى، إذ يقرأ العمال التطوير التقني في سياق خفض التكاليف وتقليص العمالة، فتتضاعف مقاومتهم له دفاعًا عن أمنهم الوظيفي
وتكشف هذه النتائج أن مقاومة الابتكار ليست رفضًا للتقنية ذاتها بقدر ما هي استجابة عقلانية لمخاوف حقيقية تتغذى من هشاشة أوضاع بعض فئات العمال ومن الظرف المالي للشركة، فحيثما اجتمعت الكثافة التقنية العالية مع أداء مالي ضعيف وقوة عاملة ضعيفة الحماية، كانت المقاومة أشد، وهو ما يقدم تفسيرًا تركيبيًا يتجاوز النظر إلى المقاومة بوصفها عائقًا ثقافيًا أو تمسكًا بالمألوف، وقد عرضت الدراسة إلى جانب هذه النتائج دلالاتها وحدودها واتجاهات مقترحة للبحث المستقبلي في هذا الميدان المتسارع التحول
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج مديري المنظمات والقائمين على التحول الرقمي بأن إدارة الابتكار التقني لا تنفصل عن إدارة الأمن الوظيفي للعاملين، فإدخال أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة في شركة متعثرة ماليًا دون ضمانات واضحة للعمال وصفة مؤكدة للمقاومة والتعثر، بينما يمكن لسياسات الحماية وإعادة التأهيل والتواصل الشفاف أن تخفف من حدة المخاوف وتستوعب الفئات الأضعف، كما تنبه النتائج صناع السياسات العمالية إلى أن الفئات الهشة، وبخاصة النساء في بيئات عمل معينة، تحتاج إلى حماية مؤسسية ترافق موجات الابتكار، حتى لا يتحمل أضعف العمال وحدهم كلفة التقدم التقني الذي تستفيد منه المنظمات والمجتمع كله
وخلاصة القول إن مقاومة العمال لابتكار تقنية المعلومات ليست نقيضًا للتقدم، بل مرآة لمخاوف مشروعة على الأمن الوظيفي تتضاعف لدى الفئات الأضعف وفي الشركات المتعثرة ماليًا، ومن ثم فإن نجاح التحول التقني مرهون بقدرة الإدارة على طمأنة العاملين وحمايتهم بقدر رهانه على قوة التقنية ذاتها، وهي معادلة ينبغي أن تحضر في كل خطة ابتكار مقبلة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
