تمثل معدلات التسرب المرتفعة في برامج التعليم المفتوح والتعلم عن بُعد تحديًا مستمرًا أمام مؤسسات هذا النمط التعليمي، إذ يغادر كثير من الطلاب برامجهم قبل إتمامها رغم ما يوفره هذا النمط من مرونة في الزمان والمكان، وفهم أسباب هذا التسرب شرط أساسي لأي معالجة جادة، لأنه يكشف مواضع الخلل في تجربة الطالب وظروفه ودعمه المؤسسي، وهو ما سعت إليه هذه الدراسة بفحص الأسباب الكامنة وراء ارتفاع أعداد المتسربين في برامج التعليم المفتوح والتعليم عن بُعد، وتقديم صورة شاملة للظاهرة تفيد صانعي السياسات والتربويين
ولا تقتصر خسائر التسرب على الطلاب الذين يفقدون فرصة إتمام تعليمهم وما يرتبط به من ترق مهني واجتماعي، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية التي تهدر مواردها في مقاعد شاغرة وبرامج غير مكتملة، وإلى سمعة نمط التعليم عن بُعد ذاته الذي قد يوصم بضعف الاحتفاظ بطلابه، ومن المهم التمييز عند دراسة الظاهرة بين أسباب تعود إلى الطالب ذاته وخصائصه ومهاراته، وأسباب داخلية تتصل بالمؤسسة وبرامجها ودعمها، وأسباب خارجية تفرضها ظروف العمل والأسرة والحياة، فلكل فئة من هذه الفئات معالجات مختلفة لا تصح مقاربتها بحل واحد موحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهجًا مختلطًا يجمع بين الأساليب الكمية والنوعية، وجمعت البيانات من عينة قصدية من أعضاء هيئة التدريس والطلاب في الجامعة المفتوحة في سريلانكا، وهدفت إلى الكشف عن مجمل الأسباب التي تدفع الطلاب إلى ترك برامجهم، وتصنيفها في ضوء نماذج التسرب القائمة في الأدبيات، مع الانتباه إلى ما قد يظهر من أسباب خاصة بسياق الدولة والمؤسسة، وقد أسفرت عملية الجمع والتحليل عن قائمة واسعة من الأسباب بلغت ثمانية وثلاثين سببًا، خضعت للفحص والمقارنة بما هو معروف من أطر تفسيرية لظاهرة التسرب في التعليم عن بُعد
ويمنح المنهج المختلط الدراسة قدرة على الجمع بين اتساع المسح الكمي وقدرة المقابلات النوعية على كشف الدوافع العميقة وراء قرار الانقطاع، كما أن اختيار أعضاء هيئة التدريس والطلاب معًا مصدرين للبيانات أتاح مواجهة رؤية المؤسسة والمدربين برؤية المتعلمين أنفسهم، وهو ما يقلل انحياز التفسير إلى طرف واحد، ومقارنة الأسباب المستخرجة بنماذج التسرب الراسخة في الأدبيات مكّن الباحثين من التمييز بين ما هو عام مشترك بين سياقات التعليم عن بُعد في العالم، وما هو خاص بالسياق السريلانكي والمؤسسة موضع الدراسة، وهو تمييز ضروري قبل ترجمة النتائج إلى سياسات عملية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الأسباب المؤثرة في قرار الطلاب بالتسرب توزعت بين أسباب داخلية وأخرى خارجية، وأسهمت كذلك خصائص الطلاب ومهاراتهم في اتخاذ هذا القرار، وجاء في مقدمة الأسباب الأكثر تأثيرًا الالتزامات الوظيفية والأسرية، وضغط أعباء العمل، وإدارة الوقت، وحدود المرونة المتاحة، بما يشير إلى أن الطلاب العاملين هم الفئة الأشد تضررًا ضمن مجتمع المتسربين، لأنهم يوازنون بين متطلبات الوظيفة والأسرة والدراسة في آن واحد، وتوافقت معظم الأسباب المكتشفة مع نماذج التسرب المعروفة، إلى جانب أسباب قليلة خاصة بالدولة والمؤسسة موضع الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة بصورتها الشاملة لظاهرة التسرب أساسًا يمكن أن ينطلق منه صانعو السياسات والتربويون لتطبيق تدخلات موجهة وآليات دعم فردية تعزز احتفاظ المؤسسات بطلابها، وتشمل هذه الدلالات تصميم جداول ومواعيد أكثر مرونة تراعي ظروف الطلاب العاملين، وتقديم إرشاد يساعد الطلاب على إدارة أوقاتهم وأعبائهم، ورصد الطلاب المهددين بالتسرب مبكرًا للتدخل قبل انقطاعهم، كما تبرز النتائج أهمية مراعاة الخصوصيات المحلية والمؤسسية عند استيراد حلول جاهزة من سياقات أخرى، لأن بعض أسباب التسرب وليد بيئته ولا يعالج إلا بمعالجتها
وتستدعي مواجهة الأسباب المتصدرة، وهي الالتزامات الوظيفية والأسرية وأعباء العمل وإدارة الوقت وحدود المرونة، إعادة تصميم تجربة الطالب العامل في برامج التعليم عن بُعد، من حيث توزيع الأعباء الدراسية على فترات أرحب، وتقديم مواعيد تقويم مرنة، وخدمات إرشاد أكاديمي ومهني تراعي تعدد أدوار الطالب، وأنظمة إنذار مبكر ترصد تراجع التفاعل والحضور فتتدخل قبل تحول التردد إلى انقطاع نهائي، أما آليات الدعم الفردية فتقتضي متابعة شخصية للطلاب الأعلى تعرضًا لخطر التسرب، وهو استثمار تبرره كلفة التسرب العالية على الطالب والمؤسسة معًا على المدى الطويل
وخلاصة القول إن التسرب في التعليم المفتوح والتعليم عن بُعد ظاهرة متعددة الأسباب تتصدرها ضغوط العمل والأسرة وإدارة الوقت، وإن مواجهتها بفاعلية تستلزم تدخلات موجهة ودعمًا فرديًا يستند إلى فهم دقيق لأسبابها الداخلية والخارجية وخصائص الطلاب أنفسهم








