تغيّرت الطريقة التي يتخذ بها المستهلكون قرارات الشراء مع صعود التجارة الاجتماعية، إذ لم تعد المنصات الرقمية مجرد قنوات للعرض والبيع، بل أصبحت فضاءات للتفاعل الاجتماعي وتبادل الخبرات وإنتاج المحتوى من قبل المستخدمين أنفسهم، فصار رأي الأقران وتجاربهم عنصرًا حاسمًا في تشكيل النية الشرائية، وفي هذا السياق تبرز الكلمة المنطوقة الاجتماعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بوصفها قناة تأثير رئيسة، إذ يعبر المستخدمون من خلالها عن آرائهم، ويطلبون مشورة الآخرين، وينقلون الانطباعات عن المنتجات والعلامات التجارية، وتتناول هذه الدراسة المنشورة في مجلة سايج أوبن هذا السلوك بعمق، إذ تسعى إلى تحديد العوامل السابقة لسلوكيات الكلمة المنطوقة الاجتماعية، وإلى فهم كيفية تفاعلها مع تجربة التدفق التي يعيشها المستخدم أثناء تصفحه، وأثر ذلك كله في نيته للشراء، بما يمنح المسوقين والباحثين صورة أدق عن آليات التأثير الاجتماعي في بيئات التسوق الرقمي المعاصرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العوامل السابقة لسلوكيات الكلمة المنطوقة الاجتماعية في مواقع التواصل الاجتماعي وتحليلها، وقد انطلقت من أن هذه السلوكيات ليست سلوكًا واحدًا متجانسًا، بل تتفرع إلى ثلاثة سلوكيات مترابطة لكل منها عوامل سابقة مميزة، وهي إبداء الرأي الذي يقدم فيه المستخدم تقييمه وخبرته للآخرين، وطلب الرأي الذي يسعى فيه إلى جمع المعلومات قبل اتخاذ القرار، وتمرير الرأي الذي يعيد فيه نشر آراء الآخرين وتداولها، واختارت الدراسة مجموعة من العوامل المرشحة لتفسير هذه السلوكيات، شملت قوة الروابط الاجتماعية بين المستخدمين، والتشابه بينهم في الخصائص والاهتمامات، والثقة المتبادلة، والتأثير المعلوماتي الذي يدفع الفرد إلى قبول معلومات الآخرين دليلًا على الواقع، والتأثير المعياري الذي يدفعه إلى التوافق مع توقعات الجماعة من حوله
وأضافت الدراسة إلى هذه العوامل عنصرًا أقل دراسة في الأدبيات السابقة، وهو تجربة التدفق، أي حالة الانغماس والاستمتاع التي يعيشها المستخدم أثناء تفاعله مع المنصة فتضعف إحساسه بمرور الوقت وتجعله أكثر انخراطًا في النشاط الرقمي، وقد افترضت الدراسة أن هذه التجربة تتفاعل مع سلوكيات الكلمة المنطوقة الاجتماعية جميعها، وأنها ترتبط في الوقت نفسه بنية الشراء ارتباطًا مباشرًا، وبذلك جمع النموذج المقترح بين العوامل الاجتماعية التقليدية والتجربة النفسية للمستخدم في إطار تفسيري واحد، ثم اختبرت الدراسة هذا النموذج للتحقق من قوة كل عامل واتجاه تأثيره في السلوكيات الثلاثة وفي النية الشرائية لدى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن تجربة التدفق تمارس التأثير الأقوى في نية الشراء لدى المستخدمين، فقد تفوقت على بقية العوامل المدروسة، وجاء بعدها في قوة التأثير سلوك طلب الرأي ثم سلوك تمرير الرأي، بما يعني أن انغماس المستخدم واستمتاعه أثناء التصفح، وبحثه النشط عن آراء الآخرين، وإعادة تداوله لها، هي المسارات الأقرب إلى تحويل التفاعل الاجتماعي إلى قرار شرائي فعلي، كما أبرزت النتائج أن التأثيرين المعلوماتي والمعياري هما العاملان السابقان الأكثر تأثيرًا في نية الشراء بين العوامل التي حللتها الدراسة، أي إن المستخدمين يتأثرون بما يقدمه الآخرون من معلومات يعدونها دليلًا موثوقًا، وبما تمليه عليهم توقعات الجماعة ومعاييرها الاجتماعية في آن واحد
وتؤكد هذه النتائج أن سلوكيات الكلمة المنطوقة الاجتماعية الثلاثة ليست بدائل متنافسة، بل حلقات مترابطة في سلسلة واحدة، إذ يغذي طلب الرأي إبداءه، ويحمل تمريره الآراء إلى دوائر أوسع، كما أن تجربة التدفق لا تعمل بمعزل عن هذه السلوكيات، بل تتفاعل معها جميعًا فتضاعف أثرها في النية الشرائية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية مباشرة للمسوقين ومديري العلامات التجارية، إذ ينبغي أن يصمموا تجارب تسوق اجتماعي تثير لدى المستخدم حالة التدفق والانغماس، من خلال محتوى جذاب وتفاعل سلس وممتع، بدل الاكتفاء بالعروض السعرية، كما ينبغي تشجيع المستخدمين على طلب الآراء وتمريرها بتيسير أدوات المشاركة وإعادة النشر، لأن هذين السلوكين من أقوى الجسور نحو الشراء، ومن المهم أيضًا أن تعزز العلامات التجارية مصداقية المعلومات المتداولة عنها وأن تحضر في الجماعات المرجعية المؤثرة معياريًا لدى جمهورها، لأن التأثير المعلوماتي والمعياري في قمة العوامل المحركة للنية الشرائية
وخلاصة القول إن قوة التجارة الاجتماعية لا تكمن في التقنية وحدها، بل في شبكة العلاقات والتأثيرات التي تنسجها المنصات بين المستخدمين، فحين يجتمع انغماس المستخدم في تجربة التدفق مع سعيه إلى آراء أقرانه وثقته بها وتوافقه مع معايير جماعته، تتحول الكلمة المنطوقة الاجتماعية إلى محرك فعلي لقرارات الشراء، وهو فهم يفتح الباب أمام استراتيجيات تسويقية أعمق أثرًا وأقرب إلى طبيعة السلوك الرقمي المعاصر








