تغيرت أدوار المعلم تغيرًا عميقًا مع الانتقال الواسع إلى التعليم عبر الإنترنت، إذ لم يعد المعلم ناقلًا للمعرفة داخل فصل تقليدي فحسب، بل أصبح ميسرًا وموجهًا وداعمًا تقنيًا ونفسيًا في بيئة افتراضية تفرض تحديات تواصلية وتفاعلية جديدة، وتعد تصورات المتعلمين عن هذه الأدوار نافذة مهمة على جودة تجربة التعلم، لأن توقعات المتعلم من معلمه توجه تفاعله ورضاه ودافعيته، وتأتي الاستعارات التي يصوغها المتعلمون لوصف معلميهم أداة كاشفة لهذه التصورات الضمنية التي يصعب الوصول إليها بالأسئلة المباشرة، ومن هنا اهتمت الدراسة بتحليل الاستعارات التي يعبر بها متعلمو اللغة عن أدوار معلميهم الأتراك في بيئة تعليمية إلكترونية خلال حقبة استثنائية فرضتها الجائحة العالمية على التعليم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة النوعية إلى التعرف على كيفية نظر متعلمي اللغة إلى أدوار معلميهم في بيئة التعليم عبر الإنترنت باستخدام تحليل الاستعارات بوصفه أداة لجمع البيانات وتحليلها، واسترجعت الدراسة تصورات 161 متعلمًا للغة عن دور المعلم في السياق الإلكتروني، وجرى جمع البيانات بالعينة العرضية خلال حقبة جائحة كورونا بين شهري ديسمبر ويناير من عام 2020، وحللت الاستعارات المستخلصة من استجابات المتعلمين وصولًا إلى الاستعارات المفاهيمية التي تصور معتقداتهم حول أدوار المعلم، وما إذا كانت هذه المعتقدات تختلف عما توصلت إليه دراسات سابقة في بيئات التعليم التقليدي الحضوري، بما يسمح برصد أثر الوسيط التعليمي الجديد في تشكيل صورة المعلم الذهنية لدى متعلميه وطبيعة العلاقة التعليمية بين الطرفين
ثانيًا: أبرز النتائج
توصل الباحثان من تحليل البيانات إلى عشر استعارات مفاهيمية مختلفة تصور معتقدات المتعلمين حول أدوار معلميهم في بيئة التعليم عبر الإنترنت، وعكست هذه الاستعارات تنوع الوظائف التي ينسبها المتعلمون إلى المعلم الإلكتروني بين الإرشاد والدعم والتنظيم والتحفيز ومرافقة رحلة التعلم، كما حددت النتائج بعض الفروق بين كيفية نظر المتعلمين إلى أدوار المعلم في نمط التعليم عبر الإنترنت وبين نظرتهم إليها في التعليم التقليدي كما تشير إليه دراسات أخرى، فالبيئة الافتراضية أعادت توزيع الأهمية النسبية للأدوار، إذ برزت أدوار التيسير والدعم النفسي والتقني بدرجة أكبر، وتراجعت نسبيًا صورة المعلم مصدرًا وحيدًا للمعرفة وضابطًا لانضباط الفصل الحضوري بمعناه التقليدي المعروف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ناقشت الدراسة دلالات هذه النتائج بالنسبة إلى المعلمين عمومًا ومعلمي اللغة خصوصًا، وأبرزت ما يمكن فعله للتخفيف من الآثار السلبية لهذا الوسيط التعليمي الجديد، فحين يدرك المعلم أن متعلميه ينظرون إليه بوصفه مرشدًا ورفيقًا في رحلة تعلم قد تعتريها العزلة والملل، يصبح تطوير مهارات الحضور الرقمي والتواصل المتعاطف وبناء الحماس عبر الشاشة جزءًا من كفايته المهنية، كما تفيد النتائج مصممي برامج إعداد المعلمين وتدريبهم في تضمين كفايات التعليم الإلكتروني وتصورات المتعلمين ضمن مقررات التنمية المهنية، وتفيد مؤسسات تعليم اللغات في تهيئة توقعات المتعلمين وإدارة انتقالهم بين أنماط التعليم، إذ إن وضوح الأدوار المتبادلة يقلل سوء الفهم ويحسن رضا الطرفين عن التجربة التعليمية الرقمية
وتنبثق أهمية تحليل الاستعارات من كونها أداة تكشف المعتقدات الضمنية التي قد لا يعبر عنها المتعلمون صراحة حين يسألون مباشرة عن أدوار المعلم، فالاستعارة التي يختارها المتعلم لوصف معلمه تحمل تصوره عن طبيعة العلاقة بينهما وعن موقع كل منهما في عملية التعلم، وحين تجمعت عشر استعارات مفاهيمية متميزة من استجابات 161 متعلمًا تشكلت خريطة غنية لهذه التصورات في البيئة الإلكترونية، أمكن مقارنتها بما رصدته دراسات التعليم التقليدي من استعارات مألوفة، فظهرت تحولات دالة في وزن الأدوار المختلفة، إذ لم يعد المعلم في وعي المتعلمين ذلك الحاضر المهيمن على فضاء الفصل، بل شريكًا يرافقهم عبر الشاشة في ظروف تعلم استثنائية فرضتها الجائحة على الجميع، بما رافقها من عزلة وقلق وحاجة مضاعفة إلى الدعم الإنساني قبل المعرفي في التجربة التعليمية اليومية المشتركة بين الطرفين
وخلاصة القول إن الدراسة تكشف عبر عشر استعارات مفاهيمية عن صورة غنية ومتعددة الأوجه لدور المعلم في التعليم الإلكتروني كما يراها متعلمو اللغة، صورة تجمع بين الإرشاد والدعم والمرافقة وتتجاوز النقل المعرفي المباشر، وتبقى حدود الدراسة مرتبطة بسياق الجائحة الاستثنائي وبعينتها العرضية وبخصوصية السياق الثقافي واللغوي، مما يدعو إلى دراسات لاحقة في سياقات تعليم إلكتروني مستقرة وغير طارئة، وبعينات أوسع وأدوات متنوعة، تقارن بين تصورات المتعلمين وتصورات المعلمين أنفسهم لأدوارهم في البيئات الرقمية المتطورة باستمرار
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








