تتعقب هذه الدراسة اتجاهات النشر العلمي في بحوث التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية باستخدام التحليل الببليومتري، وتنبع أهميتها من أن التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية قائم منذ مطلع الألفية، وقد غدا موضوعًا متزايد الجاذبية في ضوء التقدم التقني الحديث وحالات الطوارئ التي فرضت التعلم عن بُعد، لما يسهم به في تحسين جودة عمليات التعلم ونواتجه في مجال حيوي يتصل ببناء المواطنة والوعي المدني لدى المتعلمين، ومن هنا سعت الدراسة إلى تتبع اتجاهات النشر في هذا الموضوع بقاعدة بيانات سكوبس عبر عقدين، ورسم خريطة كلماته المفتاحية وشبكات ترابطها، للكشف عن الموضوعات الناضجة وتلك التي ما تزال هامشية رغم أهميتها الاستراتيجية، بما يقدم رؤى جديدة للباحثين والمؤسسات المعنية بتطوير بحوث التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية مستقبلًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تتبع اتجاهات نشر بحوث التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية في قاعدة بيانات سكوبس خلال الفترة من عام ألفين وخمسة إلى عام ألفين وأربعة وعشرين، ولتحقيق ذلك استخدمت المنهج الببليومتري مدعومًا بتحليل برنامج فوس فيوور المتخصص في بناء الخرائط العلمية وتصور شبكات الكلمات المفتاحية، وشمل التحليل الوثائق المنشورة في الموضوع وتصنيفها بحسب نوعها، وحصر مؤلفيها ودولهم وكلماتهم المفتاحية، وتتبع تطور أعداد المنشورات عبر السنوات، وتحليل قرب الكلمات المفتاحية وبعدها في الخريطة للدلالة على قوة ارتباط الموضوعات بقلب الحقل أو هامشيتها عنه، بما يقدم صورة كمية شاملة لمسار حقل بحثي يجمع بين تقنيات التعلم والتربية المدنية عبر عقدين من الزمن شهدا تحولات تقنية واجتماعية متسارعة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن قاعدة البيانات ضمت مئة وثلاثًا وعشرين وثيقة حول الموضوع، نصفها مقالات علمية، وتوزع باقيها بين أوراق مؤتمرات وفصول كتب ومراجعات مؤتمرات وكتب وملاحظات، وقد كتب هذه المنشورات ثلاثمئة وعشرون مؤلفًا من تسع وثلاثين دولة مختلفة، واستخدموا ما يقرب من ثمانمئة كلمة مفتاحية، وتبين أن أعداد منشورات التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية ازدادت بدرجة كبيرة في عام ألفين وواحد وعشرين وبلغت ذروتها القصوى في عام ألفين وأربعة وعشرين، وأظهر تحليل البرنامج ارتباط التربية المدنية بكلمتي التعلم عبر الإنترنت والتعلم الإلكتروني في عقد كبيرة ومسافات قريبة تدل على مركزية هذا الارتباط، في حين ظهرت كلمات استراتيجية مثل المقررات المفتوحة واسعة النطاق والمواطنة الرقمية والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في عقد صغيرة ومسافات بعيدة، ولم ترتبط كلمة تعليم المواطنة العالمية ارتباطًا مباشرًا، ولم يظهر تشات جي بي تي مطلقًا رغم تأثيره الواسع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى أن تطوير عدد من الكلمات المفتاحية الاستراتيجية الهامشية حاليًا يمكن أن يشكل دراسات بحثية واعدة في المستقبل، ولا سيما ما يتصل بالمقررات المفتوحة واسعة النطاق والمواطنة الرقمية والذكاء الاصطناعي التوليدي في تعليم المواطنة، إذ تكشف الخريطة الببليومترية عن فجوة بين الأهمية العملية المتزايدة لهذه الموضوعات وحضورها البحثي المحدود في أدبيات التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية، وتقدم الدراسة بذلك رؤى جديدة للباحثين والمؤسسات المعنية بخريطة نشر هذا الحقل وتطويره مستقبلًا، وتساعد محرري المجلات ومراكز البحوث على توجيه الدعوات البحثية نحو الموضوعات الأقل استكشافًا، ومع ذلك تبقى النتائج رهينة حدود قاعدة بيانات واحدة وأدوات التحليل الببليومتري الكمية، ما يدعو إلى دراسات تكميلية نوعية تفحص مضمون البحوث وسياقاتها التربوية المتغيرة
ويعزز تفسير هذه الزيادة الحادة منذ عام ألفين وواحد وعشرين وبلوغها الذروة في عام ألفين وأربعة وعشرين ما مر به التعليم العالمي من تحولات فرضتها حالات الطوارئ نحو التعلم عن بُعد، إذ وجد باحثو التربية المدنية في البيئات الرقمية ميدانًا خصبًا لأسئلة المواطنة والمشاركة المدنية في الفضاء الافتراضي، كما يلاحظ غياب تشات جي بي تي عن خريطة الكلمات المفتاحية رغم حداثة انتشار بحوثه، وهو ما قد يعكس بطء تراكم الأدبيات المحكمة قياسًا إلى سرعة تطور التقنية ذاتها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة رسمت بالتحليل الببليومتري مسار عقدين من بحوث التعلم عبر الإنترنت في التربية المدنية، موثقة مئة وثلاثًا وعشرين وثيقة لثلاثمئة وعشرين مؤلفًا من تسع وثلاثين دولة، وذروة نشر في عام ألفين وأربعة وعشرين، وكاشفة عن مركزية التعلم الإلكتروني في الحقل وهامشية موضوعات استراتيجية كالمواطنة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومن ثم تمنح الدراسة الباحثين والمؤسسات خريطة طريق لتطوير هذا الحقل، وتدعو إلى موجة بحثية جديدة تستكشف التقاطعات الواعدة بين التقنيات الحديثة وتعليم المواطنة في البيئات الرقمية








