تعترف الأدبيات الحديثة بدور ريادة الأعمال الرقمية في دفع الابتكار داخل الشركات، غير أن مفهوم التوجه الريادي الرقمي ذاته ما يزال محدود الاستكشاف من حيث آليات عمله ومسارات تأثيره، ولا سيما صلته بالابتكار الأخضر الذي بات مطلبًا بيئيًا وتنافسيًا في بيئة أعمال تتسم بالتقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض، فالشركات الناشئة التي تتبنى توجهًا رياديًا رقميًا قد تمتلك مرونة أعلى في توظيف التقنيات الرقمية لتطوير منتجات وعمليات صديقة للبيئة، لكن تحقيق هذا التحول يمر عبر قدرات تنظيمية وشبكات علاقات قد تسرّع الابتكار أو تعيقه، ومن هنا تسعى الدراسة إلى كشف الحلقات الوسيطة والمعدلة التي تفسر كيف يتحول التوجه الريادي الرقمي إلى ابتكارات خضراء فعلية داخل الشركات الناشئة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج يفحص دور الارتجال عبر التنظيمي والروابط الاجتماعية بنوعيها روابط الأعمال والروابط السياسية في العلاقة بين التوجه الريادي الرقمي والابتكار الأخضر، وذلك بالاستناد إلى نظرية الموارد ونظرية الشبكات الاجتماعية، وجمعت البيانات بمسح ميداني شمل 217 شركة ناشئة، وحُللت للتحقق من التأثير المباشر للتوجه الريادي الرقمي في الابتكار الأخضر، ومن وساطة الارتجال عبر التنظيمي الذي يعبر عن قدرة الشركة على التعاون العفوي المرن مع شركاء خارجيين لمواجهة المواقف الطارئة، ومن تعديل الروابط الاجتماعية لقوة العلاقة، إذ تتيح روابط الأعمال الوصول إلى الشركاء والعملاء والموردين، بينما تصل الروابط السياسية الشركة بجهات حكومية وتنظيمية قد تؤثر في فرصها ومواردها
ثانيًا: أبرز النتائج
أيدت بيانات الشركات الناشئة النتائج الرئيسة للنموذج، فقد تبين أن التوجه الريادي الرقمي يؤثر تأثيرًا إيجابيًا في الابتكار الأخضر، فالشركات الأعلى توجهًا رياديًا رقميًا كانت الأقدر على إنتاج ابتكارات صديقة للبيئة، كما تبين أن الارتجال عبر التنظيمي يتوسط العلاقة بين التوجه الريادي الرقمي والابتكار الأخضر، بما يعني أن جزءًا من أثر التوجه يتحقق عبر قدرة الشركة على الارتجال التعاوني مع الأطراف الخارجية وتحويل الأفكار الرقمية إلى حلول خضراء سريعة، ووجدت الدراسة كذلك أن روابط الأعمال تعدّل العلاقة بين التوجه الريادي الرقمي والابتكار الأخضر فتقوي مسار تأثيره، في حين ظل دور الروابط السياسية بحاجة إلى مزيد من الفحص والتحقق قبل الجزم بطبيعته واتجاهه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة نظريًا في إثراء أدبيات ريادة الأعمال الرقمية والابتكار الأخضر معًا، إذ تفسر المسار الذي تنتقل عبره الاستراتيجية الرقمية إلى مخرجات ابتكار بيئي، وتبرز الارتجال عبر التنظيمي بوصفه قدرة تنظيمية وسيطة لا مجرد استجابة عشوائية، وعلى المستوى التطبيقي تحمل النتائج قيمة كبيرة للمديرين الساعين إلى توظيف التوجه الريادي الرقمي في تعزيز الابتكار الأخضر، إذ تنصحهم ببناء قدرات الارتجال التعاوني مع الشركاء، وبتعزيز روابط الأعمال مع الموردين والعملاء والشركاء التقنيين، وبالتعامل الحذر مع الروابط السياسية إلى أن تتضح طبيعة دورها، كما تفيد النتائج داعمي منظومات الشركات الناشئة في تصميم برامج إرشاد وشبكات تشبيك تحفز الابتكار البيئي
ويستند النموذج المقترح إلى تكامل نظريتين راسختين في إدارة المنظمات، فنظرية الموارد ترى أن الميزة التنافسية تنبع من امتلاك موارد وقدرات داخلية ذات قيمة يصعب تقليدها، ومنها التوجه الريادي الرقمي بوصفه قدرة استراتيجية، بينما ترى نظرية الشبكات الاجتماعية أن علاقات الشركة وروابطها بمحيطها تشكل رأس مال اجتماعيًا يفتح قنوات للمعلومات والموارد والفرص، وبجمع المنظورين تفسر الدراسة لماذا لا يكفي امتلاك توجه رقمي داخلي وحده، بل يحتاج إلى قدرة ارتجالية تعاونية تحول هذا التوجه إلى فعل ابتكاري مشترك مع الشركاء، وإلى شبكة روابط أعمال حية تغذي هذا الفعل، فتتكامل القدرات الداخلية مع رأس المال الاجتماعي الخارجي في إنتاج الابتكار الأخضر الذي تستهدفه الشركات الناشئة في بيئة الأعمال المتقلبة الراهنة بكل تحدياتها وفرصها المتنامية اليوم
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم نموذجًا متماسكًا يبين أن التوجه الريادي الرقمي محرك فعلي للابتكار الأخضر في الشركات الناشئة، وأن هذا الأثر يتعزز بالارتجال عبر التنظيمي وبروابط الأعمال، بينما تظل الروابط السياسية منطقة غامضة تستدعي بحثًا إضافيًا، وتبقى حدود الدراسة مرتبطة بطبيعة العينة وقطاعاتها وبتصميمها المقطعي الذي لا يتيح الجزم بالسببية الطولية، مما يفتح الباب أمام دراسات طولية ومقارنات بين بيئات تنظيمية وثقافية مختلفة تختبر ثبات النموذج وتعمق فهم دور العلاقات السياسية في مسارات الابتكار الأخضر الرقمي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








