يشغل العنف في مكان العمل موقعًا متقدمًا في اهتمامات بحوث المهن الخدمية، إذ يتعرض العاملون في مهن الاحتكاك المباشر بالجمهور لصور من الكراهية والتهديد والمضايقة أثناء أدائهم مهامهم، وتبرز مفارقة لافتة في مهن تتمتع بسلطة اجتماعية كالأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين والصحفيين، فهم يملكون موقع قوة في المجتمع بوصفهم صانعي قرارات وناشري أخبار ومؤثرين في الرأي، لكنهم في الوقت ذاته يصبحون أهدافًا للعنف المهني في المواقف التي يمارسون فيها هذه القوة ذاتها، وتسعى هذه الدراسة إلى مقارنة تجارب هذه الفئات المهنية الثلاث في السويد من حيث تعرضها للعنف في مكان العمل ومصادره وموضوعاته ومثيراته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف أوجه الشبه والاختلاف بين الأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين والصحفيين السويديين في تجربة العنف في مكان العمل، من حيث الجهات التي تعرضهم لهذا العنف، والموضوعات التي يدور حولها، والمثيرات التي تفجره، واعتمدت الدراسة على دراسة مسحية نفذت عبر الإنترنت وجمعت بياناتها باستبانة وجهت إلى أعضاء الفئات المهنية الثلاث، ثم قارنت بين استجاباتهم مقارنة منهجية تتيح رصد الأنماط المشتركة العابرة للمهن والخصوصيات المرتبطة بطبيعة كل مهنة وعلاقتها بجمهورها، سواء كانوا متلقين للخدمة أم طلابًا وأولياء أمور أم قراء ومصادر للأخبار يتعامل معهم الصحفيون في عملهم اليومي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العنف المرتبط بالمتلقين الصادر عن الفئات المستهدفة بخدمات هذه المهن كان الصورة الأكثر شيوعًا لدى الفئات الثلاث جميعًا، أي أن مصدر العنف الأغلب هو الجمهور الذي تخدمه المهنة لا الزملاء، أما العنف الواقع بين العاملين أنفسهم فقد كان المعلمون الأكثر تعرضًا له، يليهم الأخصائيون الاجتماعيون ثم الصحفيون، وهو نمط يشير إلى وجود التنمر في مكان العمل داخل البيئات المهنية ذاتها، وبينت النتائج أن أغلب المستجيبين ذكروا أن الكراهية والتهديدات والمضايقات التي واجهتهم دارت حول كفاءتهم المهنية، فالطعن في جدارة المهني وكفايته هو الموضوع الغالب للاعتداءات اللفظية والنفسية التي يتعرضون لها أثناء عملهم
وتضيف مقارنة الفئات الثلاث بعدًا مهمًا لفهم الظاهرة، فاشتراك المهن في أغلب الأنماط يعني أن العنف في مكان العمل ليس مشكلة مهنة بعينها، بل سمة بنيوية في الأعمال التي تتضمن سلطة على متلقين قد لا يرضون عن قراراتها، بينما يكشف تفاوت العنف الداخلي بين الزملاء عن اختلاف الثقافات المهنية وبيئات العمل، فالمدارس بما فيها من احتكاك يومي كثيف بين المعلمين وطلابهم وأولياء الأمور قد تهيئ أرضية أوسع للاحتكاك الداخلي مقارنة ببيئات العمل الأخرى في الدراسة، ويلاحظ كذلك أن إدراك المهنيين لهذه التجارب لا ينفصل عن شعورهم بالتقدير الاجتماعي لمهنتهم، فحين يستهدف الاعتداء الكفاءة المهنية ذاتها فإنه يضرب صورة المهني أمام نفسه وجمهوره، وهو ما يفسر مرارة هذه التجارب رغم كونها لفظية في أغلبها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف نتائج الدراسة عن مفارقة القوة والهشاشة التي تعيشها هذه المهن، فمع أن الأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين والصحفيين يتمتعون بموقع قوة في المجتمع، فإنهم يدركون أنهم يصبحون أهدافًا للعنف في مكان العمل في المواقف التي يمارسون فيها هذه القوة على وجه التحديد، كاتخاذ الأخصائي الاجتماعي أو المعلم قرارًا يمس متلقي الخدمة أو الطالب، أو نشر الصحفي مادة تمس أطرافًا معينة، وتنطوي هذه النتيجة على دلالات للمؤسسات المهنية تتمثل في ضرورة بناء سياسات حماية ودعم للعاملين في لحظات ممارسة السلطة المهنية، والتعامل الجدي مع التنمر الداخلي بوصفه صورة موازية للعنف الخارجي، وتظل حدود الدراسة مرتبطة بمنهجها المسحي القائم على التقرير الذاتي وبسياقها السويدي
وتدعو النتائج كذلك إلى إعادة تعريف سلامة بيئة العمل في هذه المهن بحيث لا تقتصر على الأخطار الجسدية، بل تشمل الحماية من الكراهية والتهديد والمضايقة التي تمس كرامة المهني وكفايته المدركة، وإلى تدريب العاملين على إدارة المواقف المتوترة مع متلقي الخدمة والتعامل مع القرارات غير المرضي عنها بمهارات تواصل تقلل احتمالات التصعيد، مع توثيق الحوادث ومتابعتها مؤسسيًا بدل تركها تجارب فردية صامتة
وخلاصة القول إن العنف في مكان العمل لدى الأخصائيين الاجتماعيين والمعلمين والصحفيين في السويد ظاهرة تتقاطع فيها المهن الثلاث أكثر مما تفترق، إذ يغلب عليها العنف الصادر عن متلقي الخدمة والطعن في الكفاءة المهنية موضوعًا، مع خصوصية للمعلمين في التعرض للعنف الداخلي، وهو ما يستدعي استجابات مؤسسية تحمي المهنيين دون أن تنال من سلطتهم المشروعة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








