تركت جائحة كوفيد-19 آثارًا نفسية واسعة لا يمكن إغفالها في مختلف الفئات والمجتمعات، ويحتل طلاب الجامعات موقعًا خاصًا في هذا المشهد بوصفهم قوة رئيسة في المجتمع ومقبلين على أعباء دراسية ومهنية في ظروف استثنائية، ومع توالي موجات الجائحة وإجراءاتها برز سؤال عن كيفية تأثير إدراك الطلاب لضغوط الوباء في رضاهم عن حياتهم، وعن العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تخفف هذا التأثير أو تعمقه، وقد تراكمت دراسات تناولت العلاقة بين ضغوط الجائحة والرضا عن الحياة، غير أن آليات هذه العلاقة لدى طلاب الجامعات في الصين لم تحظ إلا بفحص محدود، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى معالجته باختبار نموذج يجمع بين الوساطة والتعديل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم العلاقة بين إدراك طلاب الجامعات لضغوط وباء كوفيد-19 ورضاهم عن الحياة، وفحص دور مرونة التكيف والدعم الاجتماعي المدرك في هذه العلاقة، واعتمدت الدراسة على استبانة وزعت على 597 طالبًا جامعيًا في الصين، وقاست متغيرات الدراسة الرئيسة وهي إدراك ضغوط الوباء، والرضا عن الحياة، ومرونة التكيف بوصفها قدرة الفرد على تغيير أساليب مواجهته بحسب متطلبات الموقف، والدعم الاجتماعي المدرك بوصفه شعور الفرد بتوافر من يسنده من حوله، ثم حُللت البيانات بأساليب إحصائية تختبر علاقات الارتباط والوساطة والتعديل، للتحقق مما إذا كانت مرونة التكيف تنقل جزءًا من أثر الضغوط إلى الرضا، وما إذا كان الدعم الاجتماعي يغير قوة هذا المسار واتجاهه
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن إدراك طلاب الجامعات لضغوط وباء كوفيد-19 ارتبط ارتباطًا سلبيًا دالًا إحصائيًا بالرضا عن الحياة، فكلما ازداد شعور الطالب بضغوط الوباء انخفض رضاه عن حياته، وبينت النتائج أن مرونة التكيف أدت دور المتغير الوسيط في هذه العلاقة بصورة جزئية، أي أن جزءًا من أثر الضغوط في الرضا يمر عبر قدرة الطالب على تكييف أساليب مواجهته وتعديلها، بينما بقي للضغوط أثر مباشر آخر لا تفسره الوساطة وحدها، كما أظهرت النتائج أن الدعم الاجتماعي المدرك أدى دور المتغير المعدِّل في النصف الأول من مسار الوساطة، أي في العلاقة بين إدراك الضغوط ومرونة التكيف، فاختلفت قوة هذا المسار باختلاف مستوى ما يدركه الطالب من دعم اجتماعي يحيط به
وتكشف بنية العلاقات التي اختبرتها الدراسة أن أثر الضغوط النفسية في الرضا عن الحياة ليس أثرًا مباشرًا فحسب، بل يتشكل عبر موارد الطالب الداخلية والاجتماعية، فالطالب الذي يملك مرونة في التكيف يبدل استراتيجياته حين تعجز إحداها بدل أن يستنزف في محاولات متكررة غير مجدية، فينخفض بذلك عبء الضغوط على رضاه العام، ويعزز الدعم الاجتماعي المدرك هذا المسار حين يشعر الطالب أن حوله من يسانده، فتتهيأ له ظروف أنسب لبناء أساليب مواجهة مرنة وفعالة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات تطبيقية للجامعات والمرشدين النفسيين وصانعي السياسات التعليمية، إذ تشير إلى أن رفع رضا الطلاب عن حياتهم في أزمنة الأوبئة والأزمات لا يكون بمحاولة إنكار الضغوط أو تجاهلها، بل بتنمية مرونة التكيف لديهم عبر برامج إرشادية وتدريبية تعلمهم تنويع أساليب المواجهة والانتقال المرن بينها بحسب طبيعة الضاغط، وببناء شبكات دعم اجتماعي فعالة داخل الحرم الجامعي من زملاء وأساتذة وخدمات إرشادية، وقد ناقشت الدراسة استراتيجيات عملية لتحسين رضا الطلاب الجامعيين عن حياتهم انطلاقًا من هذين المسارين، وتظل حدود الدراسة مرتبطة بتصميمها المقطعي واعتمادها على التقرير الذاتي وبسياقها الصيني، ما يستدعي الحذر عند تعميم نتائجها على سياقات ثقافية أخرى
وعلى مستوى البحث العلمي، تقدم الدراسة نموذجًا تفسيريًا يمكن اختباره في أزمات وسياقات أخرى، إذ تجمع بين متغير وسيط نفسي ومتغير معدِّل اجتماعي في إطار واحد، بما يوجه الانتباه إلى أن التدخلات الأنجع قد تكون تلك التي تستهدف الموارد لا الضغوط ذاتها حين يتعذر إزالة مصدر الضغط، كما هو الحال في الأوبئة واسعة النطاق
وخلاصة القول إن ضغوط الوباء كما يدركها طلاب الجامعات تنال من رضاهم عن حياتهم، غير أن مرونة التكيف تخفف هذا الأثر جزئيًا والدعم الاجتماعي المدرك يعيد تشكيل مساره، وهو ما يجعل الاستثمار في هذين العاملين مدخلًا عمليًا لحماية رضا الطلاب عن حياتهم وتعزيز قدرتهم على التكيف في الأزمات الصحية الكبرى
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








