يحتل الاستثمار الأجنبي المباشر مكانة محورية في خطط التنمية الاقتصادية، إذ يجلب معه رؤوس الأموال والتقنيات والخبرات الإدارية وفرص العمل، وتتنافس الدول والمناطق داخل الدولة الواحدة على اجتذابه بوصفه مؤشرًا على جودة بيئة الأعمال وقدرتها التنافسية، غير أن تدفقات هذا الاستثمار لا تتوزع عادة بالتساوي بين المناطق، بل تتركز في مواضع دون أخرى تبعًا لاختلاف المقومات والسياسات المحلية، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى أدوات قياس دقيقة تقارن بين أداء المناطق في الجذب الاستثماري وتكشف مواضع القوة والقصور فيها، وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة لتقيس جاذبية المقاطعات الفيتنامية للاستثمار الأجنبي المباشر وتحلل كفاءة أدائها خلال فترة ممتدة، مستندة إلى منهجية كمية معروفة في قياس الكفاءة النسبية وتتبع تطورها عبر الزمن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم جاذبية مقاطعات فيتنام للاستثمار الأجنبي المباشر وتحديد المقاطعات المؤهلة للتحسين المستهدف وتلك التي يمكن أن تكون نماذج يقتدى بها، واعتمدت في ذلك على تحليل مغلف البيانات الذي يقيس الكفاءة النسبية لوحدات اتخاذ القرار انطلاقًا من العلاقة بين مدخلاتها ومخرجاتها، وقد بني التحليل على خمسة مؤشرات هي القوى العاملة، والناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، ومؤشر التنافسية الإقليمية، والاستثمار الأجنبي المباشر مقيسًا برأس المال، والاستثمار الأجنبي المباشر مقيسًا بعدد المشروعات، وشملت الفترة المدروسة الأعوام من 2012 إلى 2020، وبعد قياس الكفاءة اشتقت الدراسة مؤشرات مالمكويست من نتائج تحليل مغلف البيانات لملاحظة تطور أداء كل مقاطعة عبر الفترة الزمنية، ثم فككت هذه المؤشرات إلى مكوناتها للكشف عن أسباب تغير الأداء وتمييز ما يعود منها إلى تحسن الكفاءة عما يعود إلى عوامل أخرى
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أربع مقاطعات فقط استطاعت بلوغ الكفاءة التامة في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وهي ثلاث مقاطعات من المنطقة الجنوبية الشرقية هي فونغ تاو وبينه ديونغ ومدينة هو تشي منه، إضافة إلى مقاطعة ها تينه، وهو ما يعني أن بقية المقاطعات لم تصل إلى الحد الأقصى الممكن من الجاذبية قياسًا إلى مواردها ومؤشراتها، وفي المقابل كشفت مؤشرات مالمكويست أن قرابة ثمانين في المئة من المقاطعات حسّنت أداءها خلال الفترة المدروسة، أي أن الصورة العامة تتجه إلى التحسن وإن تفاوتت سرعته بين مقاطعة وأخرى، كما أتاح تفكيك المؤشرات التعرف إلى مصادر هذا التحسن وأسبابه، بما يساعد على فهم ما إذا كان التقدم ناتجًا عن جهود المقاطعة ذاتها في رفع كفاءتها أم عن تغيرات أوسع في البيئة الاقتصادية والتقنية المحيطة بها
ويميز التحليل بين مستويين من الحكم على الأداء، مستوى الكفاءة الراهنة الذي يقارن كل مقاطعة بأفضل الممارسات المرصودة، ومستوى التطور الزمني الذي ترصده مؤشرات مالمكويست عبر سنوات الدراسة، وبهذا المزج تتجنب الدراسة الاكتفاء بصورة ساكنة قد تخفي مسارات تحسن واعدة أو تراجعات صامتة، فالمقاطعة غير الكفء اليوم قد تكون الأسرع تحسنًا، والمقاطعة الكفء قد تكون مهددة بفقدان موقعها إن توقف تطورها، وهو تمييز جوهري عند ترتيب أولويات التدخل الحكومي وتوزيع برامج الدعم بين المقاطعات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات عملية مهمة لصانعي السياسات على المستويين الوطني والمحلي، فهي توفر لهم أداة قياس موضوعية يمكن أن يستندوا إليها في تصميم آليات جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في مقاطعاتهم، إذ يتيح تحديد المقاطعات ذات الكفاءة التامة الاستفادة من تجاربها بوصفها نماذج مرجعية تنقل خبراتها إلى المقاطعات المتأخرة، بينما يتيح تحديد المقاطعات المؤهلة للتحسين توجيه الجهود والموارد إلى المواضع الأكثر حاجة، كما أن تتبع التطور عبر الزمن بمؤشرات مالمكويست يمنح صانع القرار صورة ديناميكية لا تقتصر على لقطة واحدة، بل ترصد اتجاه الأداء صعودًا أو تراجعًا وتساعده على تقويم أثر السياسات المتبعة وتصحيح مسارها، وتظل حدود الدراسة مرتبطة بالمؤشرات الخمسة المعتمدة وبطبيعة البيانات المتاحة عن المقاطعات خلال الفترة المدروسة
كما تمنح النتائج المستثمرين أنفسهم مؤشرات استرشادية عند مقارنة المواقع المحتملة لاستثماراتهم، إذ تجمع الكفاءة المقاسة بين توافر القوى العاملة والأداء الاقتصادي الإقليمي ومستوى التنافسية المحلية في صورة واحدة قابلة للمقارنة
وخلاصة القول إن قياس جاذبية المقاطعات الفيتنامية للاستثمار الأجنبي المباشر بتحليل مغلف البيانات ومؤشرات مالمكويست يقدم صورة مركبة تجمع بين مستوى الكفاءة الراهن واتجاه تطوره، وقد بينت الدراسة أن الكفاءة التامة ظلت حكرًا على أربع مقاطعات بينما مضت أغلب المقاطعات في مسار تحسن واضح، وهو ما يجعل نتائجها مرجعًا مفيدًا لصانعي السياسات في بناء استراتيجيات جذب استثماري أكثر توازنًا بين مناطق البلاد








