فرضت المؤتمرات الافتراضية حضورها في الحياة الأكاديمية بما توفره من سهولة وصول إلى الجمهور وتنوع فيه وخفض في الكلف، غير أنها تعاني ضعفًا مزمنًا في دافعية المشاركين وتفاعلهم الاجتماعي، فالجلوس أمام الشاشة ساعات طويلة يفقد الفعالية حيويتها ويحول كثيرًا من الحاضرين إلى متلقين صامتين، ومن الاستراتيجيات الواعدة لمعالجة ذلك التلعيب، وهو توظيف بنية الألعاب وعناصرها من تحديات ونقاط وشارات في سياقات غير لعبية لرفع الدافعية والانخراط، وفي هذا السياق يعرض هذا التقرير تجربة المعهد البرازيلي أوسوالدو كروز في تطبيق التلعيب على مؤتمره الطلابي السنوي الذي أُنشئ أصلًا لتعزيز مناقشة مشروعات الطلاب وقضاياهم الدراسية، وذلك في نسخته المنعقدة عام 2021
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
يهدف هذا التقرير إلى عرض تجربة توظيف التلعيب في المؤتمر الطلابي السنوي للمعهد ووصف كيفية بنائها وما أحدثته من آثار في المشاركة والتفاعل، وهو تقرير تجربة تطبيقية يوثق الممارسة ويحلل انعكاساتها، وقد شارك في بناء المنصة المُلعّبة أطراف متعددة تعاونت على تصميمها وتنفيذها، هي المجلس الطلابي وإدارة المعهد وفريق الصحافة وشركة متخصصة تسمى إيكوا، وبُنيت المنصة بعناصر مستمدة من الذاكرة الوجدانية للمعهد، فجاءت أيقوناتها القابلة للنقر بهيئة مباني المعهد ذاته منظمة بحسب وظائفها، بحيث يتنقل المشارك افتراضيًا بين أبنية يعرفها ويرتبط بها وجدانيًا فيصل إلى الأنشطة والمحتوى عبر هذا التنقل
ولم يقتصر التصميم على الزخرفة البصرية المستمدة من هوية المعهد، بل وُظفت عناصر التلعيب لخدمة أهداف المؤتمر ذاتها، فقد كيّفت مناقشة المشروعات العلمية مع البيئة البعيدة بحيث يستطيع الطلاب عرض مشروعاتهم ومناقشتها وطرح الصعوبات التي واجهوها أثناء الجائحة، واقتُرحت أنشطة مقصودة لزيادة التفاعل الاجتماعي بين المشاركين تركز على تحسين الصحة النفسية في ظرف الجائحة الاستثنائي، وأُتيحت لعبة إلكترونية جماعية متعددة المشاركين لتعزيز الانخراط وكسر جليد العلاقات عن بُعد، وفي نهاية المؤتمر أجاب المشاركون عن مسح تطوعي جُمعت به آراؤهم وملاحظاتهم عن التجربة، فكان تقويم التجربة نفسه جزءًا من تصميمها
ثانيًا: أبرز النتائج
كان أبرز مؤشرات نجاح التجربة قفزة أعداد المشاركين من 240 مشاركًا في الفعالية البعيدة للعام السابق إلى 759 مشاركًا في نسخة عام 2021 المُلعّبة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ارتفاع يصعب عزوه إلى عوامل أخرى وحدها في ظرف زمني متقارب ومؤسسة واحدة، ويدل على أن التلعيب خفض حواجز الدخول النفسي إلى الفعالية الافتراضية وحولها من التزام ثقيل إلى تجربة ممتعة يتشوق إليها المشاركون، كما نجحت المنصة في استيعاب هذا العدد المتضاعف من المشاركين مع الحفاظ على الوظائف الأكاديمية للمؤتمر من عرض المشروعات ومناقشتها وطرح قضايا الطلاب الدراسية
وأظهرت التجربة أن أنشطة التفاعل الاجتماعي المصاحبة، بما فيها الأنشطة المهتمة بالصحة النفسية واللعبة الجماعية متعددة المشاركين، أسهمت في رفع انخراط المشاركين واستمرارهم في الفعالية، فعالجت نقطة الضعف الأصلية في المؤتمرات الافتراضية وهي العزلة وضعف الروابط الإنسانية، كما أتاح المسح التطوعي في ختام المؤتمر جمع تغذية راجعة من المشاركين توثق رضاهم وملاحظاتهم وتفيد في تطوير النسخ اللاحقة، وبذلك لم يكن التلعيب طبقة تجميلية أضيفت إلى مؤتمر تقليدي عن بُعد، بل إعادة تصميم لتجربة المشاركة برمتها تجعل التنقل والاكتشاف واللعب والتفاعل جزءًا من التعلم ذاته لا فواصل بين جلساته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يخلص التقرير إلى أن استخدام التلعيب يثري الفعاليات المنعقدة عن بُعد وأنه مورد جيد لتحسين الدافعية والاستمرارية والتفاعل الاجتماعي فيها، وهي خلاصة تحمل دلالات لمنظمي المؤتمرات والملتقيات العلمية والطلابية في الجامعات ومعاهد البحث، إذ تدعوهم إلى التفكير في تجربة المشارك الكلية بوصفها موضوعًا للتصميم لا إلى الاكتفاء بجودة المحتوى العلمي وحده، كما تبرز قيمة بناء المنصات على عناصر من الهوية والذاكرة المؤسسية بما يعزز الانتماء، وقيمة إشراك الطلاب أنفسهم والفرق الصحفية والتقنية في بناء الفعالية، وتفيد هذه التجربة أيضًا مؤسسات تعقد فعاليات هجينة أو افتراضية في ظروف اعتيادية لا استثنائية فقط، فمشكلة الدافعية والتفاعل في الفعاليات البعيدة قائمة في كل زمان
وخلاصة القول إن تجربة معهد أوسوالدو كروز في تلعيب مؤتمره الطلابي السنوي عام 2021 تقدم نموذجًا تطبيقيًا لكيفية تحويل مؤتمر افتراضي من فعالية يغلب عليها التلقي الصامت إلى فضاء تفاعلي حي، إذ ضاعفت أعداد المشاركين أكثر من ثلاث مرات مقارنة بالعام السابق، ونجحت في تكييف المناقشات العلمية وأنشطة التفاعل الاجتماعي والدعم النفسي مع البيئة البعيدة، لتؤكد أن التلعيب المبني على هوية المؤسسة وذاكرتها مورد فعال لرفع الدافعية والانخراط والاستمرارية في الفعاليات المنعقدة عن بُعد
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








