تُعد الكفاءات الشخصية العابرة للتخصصات ركيزة أساسية في إطار التعلم مدى الحياة، إذ يحتاج الخريج في مساره المهني والاجتماعي إلى كفاءات داخل شخصه مثل إدارة الذات والتنظيم الانفعالي، وكفاءات بين شخصية مثل التواصل والعمل الجماعي، لا تقل أهمية عن المعارف التخصصية، غير أن قلة من الجامعات تدرج مقررات إلزامية مخصصة لتنمية هذه الكفاءات ضمن خططها الدراسية، فيتخرج الطالب غالبًا دون تدريب منهجي عليها، وفي مواجهة هذه الفجوة قدمت جامعتان في إسبانيا والمكسيك تجربة رائدة بتطبيق مقررات دراسية صُممت خصيصًا لتعزيز تنمية الكفاءات الذاتية والاجتماعية لدى طلابهما، وجاءت هذه الدراسة لتقويم فاعلية تلك المقررات
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فاعلية المقررات الدراسية المصممة خصيصًا لتنمية الكفاءات داخل الشخصية وبين الشخصية لدى طلاب الجامعات، ولتحقيق ذلك نُفذت ثلاث دراسات فرعية، اثنتان في جامعة مكسيكية وواحدة في جامعة إسبانية، وبلغ مجموع العينة 1353 طالبًا، منهم 675 طالبًا من إسبانيا و678 طالبًا من المكسيك، واعتمدت الدراسات الثلاث تصميمًا شبه تجريبي بقياس قبلي وبعدي دون مجموعة ضابطة، وطُبق خلال العام الدراسي 2022–2023، واستخدمت أداة مقننة ذات صدق وثبات هي استبانة الكفاءات العامة الأساسية لتقويم الكفاءات العابرة لدى الطلاب قبل خوضهم تجربة المقررات وبعدها، بما يتيح قياس مقدار التغير المنسوب إلى البرامج
وتعتمد المقررات موضوع الدراسة على منهجيات تعليمية نشطة تتجاوز المحاضرة التقليدية، يأتي في مقدمتها جلسات الإرشاد الفردي التي يرافق فيها مرشد كل طالب في مسار نموه الشخصي، فيتأمل أهدافه ونقاط قوته وضعفه ويضع خططًا لتحسينها، وتتكامل هذه الجلسات مع أنشطة جماعية وتدريبات عملية يمارس فيها الطلاب التواصل والتعاون وحل المشكلات في مواقف قريبة من الحياة الواقعية، ويمنح اجتماع السياقين الثقافيين المختلفين في إسبانيا والمكسيك الدراسة قيمة مقارنة إضافية، إذ يختبر فاعلية المقاربة ذاتها عبر بيئتين جامعيتين مختلفتين لغة وثقافة وتنظيمًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن لهذه البرامج أثرًا دالًا في تنمية الكفاءات العابرة لدى الطلاب، بما يؤكد أن المقررات المصممة قصْدًا لهذا الغرض قادرة على إحداث تغير قابل للقياس في كفاءات يظن كثيرون أنها صفات ثابتة لا تُكتسب بالتعليم، وكان الأثر أكبر وضوحًا في الكفاءات داخل الشخصية المرتبطة بمعرفة الذات وتنظيمها ودافعيتها، مقارنة بالكفاءات بين الشخصية المتصلة بالتفاعل مع الآخرين، وقد ربطت الدراسة هذا التفوق النسبي في الكفاءات الذاتية بالمنهجيات المستخدمة في البرامج، وفي مقدمتها جلسات الإرشاد الفردي التي تمنح كل طالب مساحة للتأمل الذاتي والمتابعة الشخصية الدقيقة
وتشير هذه النتيجة إلى أن تنمية الكفاءات داخل الشخصية قد تكون نقطة الانطلاق الأنسب في برامج الكفاءات الجامعية، فالطالب الذي يعرف ذاته ويدير انفعالاته وينظم جهده يصبح أقدر تبعًا لذلك على بناء علاقات مهنية واجتماعية ناجحة، كما تشير إلى أن أثر الإرشاد الفردي يتجاوز كونه نشاطًا داعمًا هامشيًا ليصبح مكونًا مركزيًا في فاعلية البرنامج، في حين يحتاج تنمية الكفاءات بين الشخصية ربما إلى زمن أطول وممارسات جماعية أوسع كي يظهر أثرها بالدرجة ذاتها، وهي ملاحظة مهمة لمصممي هذه البرامج عند توزيع ساعاتها وأنشطتها بين المكونين الذاتي والاجتماعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات عملية للجامعات الراغبة في تطوير كفاءات خريجيها العابرة، فهي تقدم دليلًا عبر ثقافي من بلدين مختلفين على جدوى إدراج مقررات مخصصة وإلزامية للمهارات الشخصية ضمن الخطط الدراسية بدل ترك تنميتها للمصادفة أو للأنشطة اللامنهجية وحدها، وتبرز قيمة جلسات الإرشاد الفردي مكونًا ينبغي الاستثمار فيه عند تصميم هذه المقررات، كما تلفت إلى ضرورة تقويم هذه البرامج بأدوات مقننة قبل تطبيقها وبعده، ومع ذلك يبقى من حدود الدراسة غياب المجموعة الضابطة في تصميمها، مما يدعو إلى بحوث لاحقة بتصاميم أقوى وقياسات متابعة أطول أمدًا للتحقق من استدامة الأثر وانتقاله إلى الحياة المهنية للخريجين
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبين أن المقررات الجامعية المصممة خصيصًا لتنمية الكفاءات الشخصية في جامعتين بإسبانيا والمكسيك أحدثت أثرًا دالًا في كفاءات 1353 طالبًا شاركوا في تقويمها، ولا سيما في الكفاءات داخل الشخصية التي يبدو أن جلسات الإرشاد الفردي تعززها بصورة خاصة، فتغدو تجربة هاتين الجامعتين نموذجًا قابلًا للاستفادة منه في جامعات أخرى تسعى إلى تخريج طلاب يجمعون بين الكفاءة التخصصية والكفاءة الشخصية والاجتماعية، بما يعدهم لتعلم مستمر مدى الحياة ولسوق عمل يتطلب أكثر من الشهادة والمعرفة








