لا يقف السكان المحليون في الوجهات السياحية موقف المتلقي السلبي لآثار السياحة وحده، فهم إلى جانب إدراكاتهم واتجاهاتهم نحوها فاعلون نشطون تؤثر سلوكياتهم في صورة الوجهة وفي رضا السائحين عنها، وقد حظيت إدراكات السكان لآثار السياحة واتجاهاتهم نحوها بمراجعات علمية بارزة، غير أن سلوك السكان المؤيد للسياحة ذاته لم يتناوله أي عمل مراجعي بهدف تطوير إطار مفاهيمي خاص به، وهذه هي الفجوة التي تسدها هذه الدراسة عبر مراجعة منهجية شاملة تحدد سلوكيات السكان تجاه السياحة وتصنفها، وتحلل المقاييس المستخدمة في قياسها، بما يمهد لفهم أدق لدور المقيمين الشركاء في صناعة تجربة الوجهة ونجاح تنميتها السياحية المتوازنة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى معالجة غياب إطار مفاهيمي متخصص بسلوك السكان المؤيد للسياحة، وذلك عبر تحديد هذه السلوكيات وتصنيفها وتحليل أدوات قياسها في الأدبيات العلمية، واعتمدت الدراسة منهج المراجعة المنهجية متبعة بروتوكول بريزما المعتمد في إعداد المراجعات المنهجية والإفصاح عنها، فجمعت الدراسات ذات الصلة من قواعد الأدبيات السياحية وفحصتها وفق معايير محددة، ثم استخرجت منها أنماط السلوكيات التي يبديها السكان تجاه السياحة والسائحين وصنفتها في فئات دالة، وحللت المقاييس التي استخدمتها الدراسات الكمية لقياس تلك السلوكيات وطبيعة البنود المؤلفة لها، وصولًا إلى بلورة رؤى نظرية وعملية حول كيفية دراسة هذا السلوك وقياسه وتوظيفه في إدارة الوجهات
ثانيًا: أبرز النتائج
قدمت المراجعة تصنيفًا منظمًا لسلوكيات السكان المؤيدة للسياحة يضبط هذا المفهوم ويفرز أنماطه المختلفة، وأظهر تحليل المقاييس تركيزًا واضحًا على قياس السلوكيات النشطة المؤيدة للسياحة، مع تباين في مقدار التركيز على سلوكيات محددة أخرى ضمن هذا النطاق، في حين لم تحضر الدراسات الكمية التي تقيس السلوكيات المناهضة للسياحة إلا حضورًا شهاديًا هامشيًا في الأدبيات، وهو ما يكشف اختلالًا في أجندة القياس الحالية التي تركز على الوجه الإيجابي لسلوك السكان وتكاد تغفل وجهه الرافض أو المقاوم، وبهذا تحدد الدراسة بدقة أين تقف المعرفة الراهنة وأين توجد فجواتها، سواء في شمول التصنيف المفاهيمي أو في توازن أدوات القياس بين السلوكيات المؤيدة والمناهضة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبثق عن هذه النتائج دلالات عملية مهمة لمديري الوجهات السياحية، إذ ينبغي أن يدركوا أن سلوكيات السكان تجاه السياحة قد تتباين تبعًا لطبيعة الوجهة ودرجة التفاعل بين السكان والسائحين فيها، فلا توجد وصفة واحدة تصلح لكل السياقات، ومن المنظور الاجتماعي يعد فهم سلوك السكان شرطًا أساسيًا لتحقيق تنمية سياحية متوازنة ومستدامة تراعي رضا المقيمين بقدر ما تراعي رضا الزوار، كما يزود الإطار التصنيفي المقترح الباحثين بأداة لتصميم دراسات قياس أكثر شمولًا وتوازنًا، تشمل السلوكيات المناهضة إلى جانب المؤيدة، وتفيد صانعي السياسات في بناء برامج إشراك مجتمعي تحول السكان من متلقين لآثار السياحة إلى شركاء فاعلين في نجاحها
وتبرز أهمية هذه المراجعة عند ملاحظة التحول الجاري في إدارة الوجهات السياحية عالميًا، فبعد عقود من التعامل مع السكان بوصفهم خلفية صامتة للمشهد السياحي، باتت التجارب الناجحة تعترف بأن المقيم الذي يرحب بالزائر ويهديه ويدافع عن وجهته هو أصل تسويقي واجتماعي لا يعوض، بينما المقيم المناهض قد يحول الاحتكاك اليومي إلى توتر يفسد صورة الوجهة كلها، ومن هنا فإن غياب إطار مفاهيمي مصنف لسلوك السكان المؤيد كان ثغرة حقيقية في أدوات هذا التحول، وقد عالجتها المراجعة بجمع ما تفرق في الدراسات السابقة من سلوكيات متناثرة وإعادة تنظيمها في تصنيف مترابط، كما أن كشفها عن هيمنة قياس السلوكيات النشطة المؤيدة وندرة قياس السلوكيات المناهضة ينبه الباحثين إلى صورة منقوصة قد توحي برضا مجتمعي أكبر من الواقع، لأن ما لا يقاس لا يرى ولا يدار، وبذلك تخدم المراجعة صدق المعرفة السياحية بقدر ما تخدم تطوير أدواتها
وتقدم المراجعة للباحثين أيضًا درسًا منهجيًا في قيمة المراجعات المنهجية ذات السؤال المفاهيمي، فهي لا تجيب فقط عن سؤال ماذا نعرف، بل تعيد تنظيم الحقل ذاته حين تصنف مفاهيمه وتراجع أدوات قياسه وتكشف انحيازاته الصامتة، وبفضل اتباع بروتوكول بريزما أصبحت خطوات البحث والاختيار والتحليل شفافة قابلة للتدقيق والتكرار، وهو ما يرفع رصانة التصنيف المقترح ويجعله أساسًا يمكن البناء عليه في تطوير مقاييس جديدة تراعي السلوكيات المؤيدة والمناهضة معًا، وتختبر صلاحيتها عبر وجهات وثقافات متنوعة حتى تنضج أدوات فهم السكان شركاء السياحة الأوائل
وخلاصة القول إن السكان شركاء صامتون في صناعة صورة كل وجهة سياحية ورضا زوارها، وقد منحت هذه المراجعة المنهجية سلوكهم المؤيد للسياحة إطارًا مفاهيميًا وتصنيفًا كانا غائبين، وكشفت في الوقت نفسه إغفال الأدبيات شبه الكامل لقياس السلوكيات المناهضة، بما يفتح أجندة بحثية وممارسات إدارية أصدق في التعامل مع المقيمين بوصفهم قلب التنمية السياحية المستدامة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








