تنتشر أدوات التعلم القائمة على التلعيب، أي توظيف عناصر الألعاب وآلياتها في بيئات تعليمية، بوصفها وسيلة واعدة لرفع انخراط الطلاب ودافعيتهم في التعليم العالي، غير أن تبني الطلاب لهذه الأدوات لا يتحدد بخصائص التقنية وحدها، بل يتفاعل مع سماتهم الشخصية التي تصوغ إدراكهم لفائدتها وسهولتها، ومن هنا تنبع الحاجة إلى نماذج تجمع بين عوامل قبول التكنولوجيا والعوامل الفردية النفسية، وتنطلق هذه الدراسة من هذا التكامل لتفحص العلاقات بين سمات الشخصية الخمس الكبرى والفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة والنية السلوكية ونية الاستمرار في الاستخدام في تقنيات التعلم بالألعاب في التعليم العالي الأردني، بما يقدم صورة أدق عن كيفية اتخاذ الطلاب قراراتهم التقنية التعليمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقات التي تربط سمات الشخصية الخمس الكبرى بالفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة والنية السلوكية ونية استمرار الاستخدام في تقنيات التعلم القائمة على التلعيب في التعليم العالي الأردني، وذلك بدمج إطار سمات الشخصية الخمس الكبرى مع نموذج قبول التكنولوجيا لاختبار كيفية ارتباط الخصائص الشخصية الفردية بإدراكات الطلاب نحو تبني هذه التقنيات، وقد جُمعت البيانات من ستمئة طالب جامعي باستخدام استبانة منظمة، وحُللت عبر نمذجة المعادلات البنائية، ولأن تصميم الدراسة مقطعي فقد نبّه الباحثون إلى أن العلاقات المبلغ عنها ينبغي أن تُفسر بوصفها ارتباطات إحصائية لا أدلة على سببية، وهو تنبيه منهجي يعزز دقة قراءة النتائج وحدود تعميمها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة أثرتا بصورة ذات دلالة في النية السلوكية للطلاب، وأن النية السلوكية تنبأت بصورة ذات دلالة بنية الاستمرار في الاستخدام، غير أنه خلافًا لنموذج قبول التكنولوجيا الأصلي لم تؤثر سهولة الاستخدام المدركة بصورة ذات دلالة في الفائدة المدركة، أما آثار سمات الشخصية فكانت مختلطة، إذ أظهرت سمة المقبولية علاقات إيجابية ذات دلالة مع كل من الفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة، وأثر الانفتاح على الخبرة والانبساطية بصورة ذات دلالة في الفائدة المدركة وحدها، بينما لم تؤثر يقظة الضمير بصورة ذات دلالة في أي منهما، وأثرت العصابية بصورة ذات دلالة في سهولة الاستخدام المدركة دون الفائدة المدركة، فتتضح بذلك خريطة تفاضلية دقيقة لكيفية عمل الشخصية في قبول التقنية التعليمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج إجمالًا أهمية مراعاة الخصائص الشخصية وعوامل قبول التكنولوجيا معًا عند فحص إدراكات الطلاب نحو تبني تقنيات التعلم القائمة على التلعيب في التعليم العالي، فمصممو المنصات التعليمية وإدارات الجامعات مدعوون إلى تجاوز الافتراض بأن جميع الطلاب يستجيبون للتقنية الواحدة بالطريقة ذاتها، إذ يمكن تكييف واجهات الأدوات ومسارات التعلم والدعم المقدم بما يناسب أنماط الشخصية المختلفة، فيُبرز الجانب النفعي لمن ترتفع لديهم سمات الانفتاح والانبساطية، ويُيسّر منحنى التعلم الأولي لمن ترتفع لديهم العصابية، كما تفيد الدراسة الباحثين في تكنولوجيا التعليم بدمج نموذجي مثمر يجمع بين علم نفس الشخصية ونماذج قبول التقنية، ويفتح الباب لدراسات طولية وتجريبية تتجاوز حدود التصميم المقطعي نحو فهم سببي أعمق
وتقدم الخريطة التفاضلية لآثار الشخصية مادة غنية للتأمل التطبيقي، فالمقبولية التي ترتبط بالتعاون والثقة ظهرت مرتبطة بالفائدة المدركة وسهولة الاستخدام المدركة معًا، وكأن الطلاب الأكثر ودًّا أشد استعدادًا لمنح التقنية الجديدة فرصة عادلة، بينما عمل الانفتاح على الخبرة والانبساطية عبر بوابة الفائدة المدركة تحديدًا، إذ يرى المنفتحون والمنبسطون في أدوات التلعيب قيمة تعليمية واجتماعية تستحق التبني، أما العصابية فقد أثرت في سهولة الاستخدام المدركة دون الفائدة المدركة، بما يوحي بأن ما يرتبط بهذه السمة يتعلق بعبء التعامل الأولي مع التقنية أكثر من تعلقه بقناعة الطالب بجدواها التعليمية، وغياب أثر يقظة الضمير يذكّر الباحثين بأن الاجتهاد والانضباط الذاتي لا يترجمان تلقائيًا إلى حماس للتقنيات التعليمية الجديدة، بل قد يرتبطان بالتزام الطالب بأنماط تعلم معتادة يألفها ويثق بها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم دليلًا من ستمئة طالب جامعي أردني على أن تبني أدوات التعلم بالألعاب محصلة لتفاعل الإدراكات التقنية مع سمات الشخصية، فالفائدة المدركة وسهولة الاستخدام تقودان النية والاستمرارية، والمقبولية والانفتاح والانبساطية والعصابية ترسم ملامح هذه الإدراكات بأنماط متمايزة، وبذلك تضع الدراسة أساسًا علميًا لتصميم تجارب تعلم مُّلعبة أكثر ملاءمة لتنوع الطلاب وشخصياتهم في الجامعات العربية وغيرها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








