يمثل المتقاعدون من الوظائف الحكومية رصيدًا بشريًا غنيًا بالخبرة والوقت المتاح، يمكن أن يتحول إلى قوة تطوعية فاعلة في المجتمعات المحلية إذا توفرت الدوافع والظروف الملائمة، فالعمل التطوعي بعد التقاعد لا يخدم المجتمع فحسب، بل يمنح المتقاعد نفسه معنى واستمرارية اجتماعية ونشاطًا يعوض غياب الدور الوظيفي، غير أن مشاركة المتقاعدين في التطوع واستمرارهم فيه تتفاوت بتفاوت دوافعهم وظروفهم الشخصية والاقتصادية والصحية، وتنطلق هذه الدراسة من هذه الملاحظة لتفحص دوافع الأنشطة التطوعية لدى الموظفين الحكوميين المتقاعدين في كوريا الجنوبية وعوامل مشاركتهم واستمراريتهم فيها، بما يقدم أساسًا علميًا لسياسات تشجع هذه الفئة على التطوع وتحتفظ بها في صفوف المتطوعين لفترات أطول
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل دوافع الأنشطة التطوعية لدى الموظفين الحكوميين المتقاعدين وعوامل مشاركتهم فيها واستمرارهم عليها، ومن ثم تقديم توصيات نظرية وسياساتية لتشجيع انخراطهم والاحتفاظ به، وقد أُجري مسح على ثلاثمئة وسبعة وثلاثين موظفًا حكوميًا متقاعدًا في كوريا الجنوبية لتكون عينة الدراسة، وجُمعت البيانات حول دوافع التطوع موجهة نحو الذات أو نحو الآخرين، والصعوبات الشخصية التي تعترض المشاركة، والخصائص الديموغرافية والاجتماعية للمشاركين والمستمرين في التطوع، ثم حُللت هذه البيانات لاستخراج الأنماط المميزة للدوافع والعوامل المرتبطة بقرار البدء في التطوع وقرار مواصلته بعد التقاعد، بما يفيد في تصميم برامج تطوعية ملائمة لهذه الفئة العمرية والمهنية
ثانيًا: أبرز النتائج
وجدت الدراسة أن أهم دوافع التطوع لدى الموظفين الحكوميين المتقاعدين دوافع موجهة نحو الآخرين ذات طابع إيثاري بنسبة 67.5 في المئة، متفوقة على الدوافع الموجهة نحو الذات بنسبة 29.2 في المئة، كما تبين أن أبرز الصعوبات الشخصية التي تعترض مشاركتهم هي نقص الخبرة المتخصصة والمشكلات الصحية والعبء الاقتصادي، أما خصائص المتقاعدين المشاركين في الأنشطة التطوعية فتمثلت فيمن لديهم خبرة تطوعية سابقة أثناء الخدمة، والنساء، والمشاركين النشطين في الأنشطة الدينية، وذوي المستويات التعليمية المرتفعة، وبالنسبة للمستمرين في التطوع بعد التقاعد فقد تميزوا بفترة أطول منذ التقاعد، وخبرة تطوعية أثناء الخدمة، وظروف اقتصادية جيدة، وصحة مدركة ذاتيًا على أنها ضعيفة بصورة مفارقة، ورضا عام مرتفع عن الحياة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات سياساتية وعملية واضحة للجهات المعنية ببرامج التطوع وكبار السن، فغلبة الدوافع الإيثارية تعني أن رسائل الاستقطاب ينبغي أن تخاطب رغبة المتقاعدين في خدمة مجتمعهم لا المنافع الذاتية فحسب، كما أن معالجة صعوبات نقص الخبرة والعبء الاقتصادي عبر التدريب المناسب ودعم كلفة المشاركة قد توسع قاعدة المتطوعين، وتشير خصائص المشاركين إلى قيمة بناء ثقافة التطوع أثناء سنوات الخدمة ذاتها، إذ تتحول الخبرة التطوعية المبكرة إلى رأس مال يمتد أثره إلى ما بعد التقاعد، وتفيد النتائج كذلك مصممي برامج المتقاعدين بأن الاستمرارية ترتبط بالرضا عن الحياة والظروف الاقتصادية المستقرة، ما يدعو إلى برامج شاملة تعنى بجودة حياة المتقاعد كاملة لا بفرص التطوع وحدها
وتتعدد الزوايا التي تضيئها خصائص المشاركين والمستمرين في التطوع، فحضور النساء والمتعلمين والنشطين اجتماعيًا ودينيًا بين المتطوعين يشير إلى أن رأس المال الاجتماعي والثقافي يغذي الاستعداد للعطاء بعد التقاعد، وأن المؤسسات التي تستثمر في شبكات المتقاعدين الاجتماعية ترفع فرص انخراطهم التطوعي، كما أن استمرار من يدركون صحتهم على أنها ضعيفة في التطوع يلفت إلى أن العمل التطوعي قد يمثل لدى بعض المتقاعدين مصدر معنى ودعم اجتماعي يعوض تراجع الصحة المدركة، وهو ما يعزز النظر إلى التطوع بوصفه نشاطًا ذا منفعة متبادلة بين المتطوع ومجتمعه، أما الصعوبات المتمثلة في نقص الخبرة المتخصصة والعبء الاقتصادي فتحدد مواضع التدخل الأجدى، مثل برامج تأهيل المتطوعين المتقاعدين وتخفيف نفقات مشاركتهم، بما يزيل عوائق مادية ومهارية لا صلة لها بالدافعية ذاتها التي أثبتت الدراسة غلبتها الإيثارية
وتقدم الدراسة في ضوء هذه النتائج توصيات نظرية وسياساتية لتشجيع انخراط المتقاعدين في الأنشطة التطوعية والاحتفاظ بهم فيها لفترات أطول
وخلاصة القول إن هذه الدراسة ترسم صورة دقيقة لتطوع الموظفين الحكوميين المتقاعدين في كوريا الجنوبية، فدوافعهم إيثارية في غالبيتها، ومشاركتهم ترتبط بخبرتهم التطوعية أثناء الخدمة وتعليمهم ونشاطهم الاجتماعي، واستمرارهم يرتبط باستقرارهم الاقتصادي ورضاهم عن حياتهم، وبذلك تقدم الدراسة مرجعًا نافعًا للحكومات والمنظمات الأهلية الساعية إلى تحويل خبرات المتقاعدين المتراكمة إلى عطاء مجتمعي مستدام عبر سياسات تشجيع واحتفاظ مدروسة








