يواجه الطلاب الدوليون في الجامعات الأجنبية ضغوطًا خاصة لا يشاركهم فيها أقرانهم المحليون، إذ يجمعون بين متطلبات الدراسة الجامعية وأعباء التكيف مع ثقافة جديدة ولغة مختلفة وبيئة اجتماعية غير مألوفة، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للضائقة النفسية بأعراضها من قلق واكتئاب وأعراض نفسية عامة، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى تحديد العوامل التي تتنبأ بالضائقة النفسية لدى الطلاب الدوليين في الجامعات الأمريكية، مركزة على دور التثاقف ببعديه، أي الكفاءة في ثقافة البلد المضيف والكفاءة في ثقافة المنشأ، وعلى علاقتهما بالضغوط والأعراض النفسية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف على العوامل المنبئة بالضائقة النفسية لدى الطلاب الدوليين الملتحقين بالجامعات الأمريكية، وإلى بناء صورة شاملة تجمع بين الخصائص الديموغرافية والتثاقف والضغوط والقلق والاكتئاب والأعراض النفسية، واعتمدت الدراسة المنهج المسحي التحليلي، فجمعت البيانات عبر استبانات طبقت على عينة بلغت 146 طالبًا جامعيًا من ثلاث جامعات في جنوب شرق الولايات المتحدة، منهم 51 طالبًا دوليًا و95 طالبًا من مواطني الولايات المتحدة، بما أتاح المقارنة بين المجموعتين، ثم وظفت تحليلات الانحدار لاختبار قدرة التثاقف والضغوط على التنبؤ بالقلق والأعراض النفسية لدى الطلاب الدوليين تحديدًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن ازدياد تثاقف الطلاب الدوليين مع المجتمع الأمريكي، متمثلًا في إتقان اللغة الإنجليزية والكفاءة الثقافية، يرتبط بانخفاض الأعراض النفسية والقلق لديهم، أي أن كلما تقدم الطالب في فهم الثقافة المضيفة والتواصل بلغتها تراجعت ضائقته النفسية، كما أظهرت النتائج أن كفاءات الطلاب الدوليين في ثقافة المنشأ ترتبط ارتباطًا دالًا بكفاءاتهم في التثاقف الأمريكي، بما يعني أن التمسك الواثق بالهوية الأصلية لا يعيق الاندماج بل يسانده، وبينت تحليلات الانحدار أن ارتفاع التثاقف الأمريكي وانخفاض الضغوط يتنبآن معًا بانخفاض القلق لدى الطلاب الدوليين، وأن انخفاض الضغوط وحده يتنبأ بانخفاض الأعراض النفسية لديهم تنبؤًا دالًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لمؤسسات التعليم العالي التي تستقبل طلابًا دوليين، إذ تشير إلى أن دعم التثاقف الإيجابي ينبغي أن يكون محور خدمات الإرشاد والدعم الطلابي، من خلال برامج تطوير اللغة الإنجليزية، وأنشطة التعريف بالثقافة المضيفة، وفرص التفاعل الاجتماعي المخطط مع الأقران المحليين، مع الانتباه في الوقت نفسه إلى أن تقدير ثقافة المنشأ والحفاظ عليها رصيد نفسي للطالب لا عبء عليه، فالبرامج الناجحة هي التي تبني جسرًا بين الثقافتين لا التي تطالب الطالب بالتخلي عن إحداهما، كما تؤكد النتائج أن خفض الضغوط التي يواجهها الطالب الدولي، أكاديمية كانت أم مالية أم اجتماعية، مسار مباشر للوقاية من القلق والأعراض النفسية
وتفتح الدراسة آفاقًا لبحوث لاحقة تتتبع الطلاب الدوليين تتبعًا طوليًا منذ وصولهم لقياس تطور تثاقفهم وضائقتهم عبر الفصول الدراسية، وتقارن بين طلاب من ثقافات منشأ مختلفة، وتختبر فاعلية برامج دعم مصممة خصيصًا لتعزيز الكفاءة الثقافية المزدوجة وخفض الضغوط في بيئات جامعية متنوعة
ومن الدلالات اللافتة التي تستحق التوقف أن العلاقة بين الكفاءة في ثقافة المنشأ والكفاءة في التثاقف الأمريكي جاءت موجبة لا سالبة، وهو ما يخالف تصورًا شائعًا يفترض أن الاندماج في الثقافة المضيفة يقتضي التخفف من الثقافة الأصلية، فالثقة بالهوية الأصلية تبدو قاعدة انطلاق آمنة يستند إليها الطالب وهو يخوض تجربة الثقافة الجديدة، لا قيدًا يعيقه عنها، ويفيد هذا الفهم مصممي برامج التهيئة والإرشاد في الجامعات، إذ يوجههم إلى بناء أنشطة تحتفي بتنوع الخلفيات الثقافية للطلاب الدوليين وتوظفها موردًا للتعلم المتبادل، بدل التعامل مع اختلافهم الثقافي مشكلة ينبغي تذويبها، كما يمتد أثر هذا الفهم إلى أسر الطلاب ومجتمعاتهم الأصلية التي يمكن أن تطمئن إلى أن نجاح أبنائها في الخارج لا يكون ثمنه فقدان الهوية، وتنسحب هذه الدلالات على كل جامعة تستقبل طلابًا من خارج ثقافتها مهما اختلفت البلدان واللغات
وخلاصة القول إن الضائقة النفسية لدى الطلاب الدوليين في الجامعات الأمريكية ليست قدرًا محتومًا، بل تتشكل بعوامل قابلة للفهم والتدخل، في مقدمتها التثاقف مع الثقافة المضيفة ومستوى الضغوط المعيشة، فكلما ارتفعت كفاءة الطالب اللغوية والثقافية وانخفضت ضغوطه تراجعت أعراضه وقلقه، وكلما احتفظ بثقافته الأصلية وجد في ذلك سندًا لاندماجه لا عائقًا عنه، وهي معادلة ينبغي أن توجه سياسات استقبال الطلاب الدوليين ودعمهم
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








