حين تقام مشروعات الطاقة الكهرومائية الكبرى تجني الدول الكهرباء والتنمية، لكن المجتمعات المحلية التي تهجر من أراضيها تدفع الثمن الأكبر إذ تفقد مصادر رزقها وشبكاتها الاجتماعية وتضطر إلى بناء حياتها من جديد في بيئات غريبة، وتتناول هذه الدراسة تلك الفئة المهمشة في نيبال متخذة من مشروعي أرون الثالث وميدل بوتكوشي ميدانًا لها، فتبحث كيف تؤثر أصول سبل العيش المختلفة التي يمتلكها المهجرون في الاستراتيجيات التي يختارونها لكسب رزقهم، وكيف تفاعلت هذه الهشاشة أصلًا مع صدمة إضافية قاسية هي جائحة كورونا التي ضربت الاقتصادات الهشة بقسوة مضاعفة، بما يجعل الدراسة شهادة موثقة على تقاطع التهجير التنموي والأزمات الصحية في حياة الفئات الأضعف
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تأثير أصول سبل العيش في استراتيجيات كسب العيش لدى المجتمعات المهجرة بسبب مشروعات الطاقة الكهرومائية في نيبال، وإلى استكشاف آثار جائحة كورونا في أوجه ضعفهم، واعتمد الباحثون إطار أصول سبل العيش الذي يميز بين رأس المال الاجتماعي والبشري والطبيعي والمادي والمالي، فجمعوا بيانات من أسر مهجرة في منطقتي المشروعين وحللوا العلاقة بين ما تمتلكه كل أسرة من هذه الأصول وبين الاستراتيجية التي تبنتها سواء أكانت زراعية أم غير زراعية أم متنوعة، كما رصدوا مظاهر تأثر هذه الأسر بالجائحة في الدخل والإنتاج والخدمات، بما أتاح صورة مركبة عن كيفية تشكل قرارات الرزق لدى المهجرين في الظروف العادية وفي أوقات الأزمات المتزامنة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن بعض الأصول تؤثر تأثيرًا دالًا في اختيار استراتيجيات سبل العيش بينما لا يؤثر بعضها الآخر، فقد برز رأس المال الاجتماعي والبشري عاملين مؤثرين بوضوح في اختيار الاستراتيجية، في حين لم يظهر لرأس المال المادي والمالي أثر مماثل، كما وجدت الدراسة أن أغلب الأسر بنسبة 66 في المئة نوعت مصادر دخلها بعيدًا عن الزراعة، وكانت المصادر غير الزراعية الاستراتيجية الأكثر جدوى، غير أن المفارقة المؤلمة أن أغلبية من يعيشون تحت خط الفقر الدولي بنسبة 67.77 في المئة استخدموا هذه الاستراتيجية ذاتها دون أن تنتشلهم من الفقر، أما آثار الجائحة فتمثلت في انخفاض دخل الأسر وتعطل الإنتاج الزراعي وقصور الوصول إلى الرعاية الطبية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة الحاجة إلى تدخلات موجهة تراعي الاحتياجات الخاصة للمهجرين بسبب مشروعات الطاقة الكهرومائية في نيبال، وتأخذ في الحسبان عاملي التهجير والجائحة المستمرة معًا لا كل منهما على حدة، فبناء رأس المال الاجتماعي والبشري عبر التعليم والتدريب وتقوية شبكات الدعم المجتمعي يبدو الاستثمار الأعلى عائدًا لتمكين هؤلاء من استراتيجيات رزق مستدامة، كما تدل النتائج على أن تنويع الدخل بعيدًا عن الزراعة وإن كان ضروريًا لا يكفي وحده للخروج من الفقر ما لم تقترن به أصول وخدمات داعمة وفرص حقيقية في الأسواق، وتفيد هذه الدلالات مخططي مشروعات البنية التحتية الكبرى في أي سياق تنموي بضرورة إدماج خطط سبل العيش والتأهيل للأزمات في صلب تصميم المشروعات منذ بدايتها
وتقدم حالة المهجرين في نيبال درسًا يتجاوز حدودها إلى عدالة مشروعات البنية التحتية الكبرى في العالم النامي، فالتعويض النقدي عن الأرض والمسكن مهما بلغ لا يعيد بناء سبل العيش ما لم يقترن بخطط مدروسة لاستعادة الدخل وبناء الأصول، وتشير النتائج إلى أن تقوية الشبكات الاجتماعية التي يمزقها التهجير وتطوير رأس المال البشري بالتعليم والتدريب المهني ينبغي أن يكونا في صلب حزم التعويض وإعادة التوطين منذ مرحلة التخطيط لا علاجًا لاحقًا للأضرار، كما أن هشاشة هؤلاء أمام الجائحة تكشف ضرورة إدماجهم في شبكات الحماية الاجتماعية وأنظمة الإنذار والاستجابة الصحية بوصفهم فئة أولى بالرعاية في خطط الطوارئ، وهي مسؤولية مشتركة بين الحكومات والشركات المنفذة والجهات الممولة التي تستفيد من موارد الأنهار التي كانت يومًا شريان حياة هذه المجتمعات
وخلاصة القول إن أصول سبل العيش ولا سيما رأس المال الاجتماعي والبشري هي ما يصنع الفارق في قدرة المهجرين بسبب مشروعات الطاقة على اختيار استراتيجيات رزق ناجحة، وإن جائحة كورونا فاقمت هشاشتهم في الدخل والإنتاج والصحة، ومن ثم فإن أي عدالة تنموية تقتضي أن يقترن إنشاء مشروعات الطاقة ببرامج تأهيل وسبل عيش مستدامة تعوض المهجرين تعويضًا حقيقيًا وتبني قدرتهم على الصمود أمام الصدمات المقبلة








