يسود في الأدبيات والممارسة افتراض أن حوادث المنظمات تعود إلى مشكلات تشغيلية أو هندسية، كأعطال المعدات أو أخطاء الإجراءات، غير أن هذه الدراسة تقترح زاوية مختلفة مفادها أن موقع المنظمة في شبكة التحالفات بين المنظمات قد يكون هو نفسه مصدرًا مولدًا للحوادث، فالمكانة المرتفعة والفجوات البنائية التي تعد عادة مصادر لمزايا علاقاتية في الحصول على المعلومات والموارد قد تحمل في طياتها كلفًا خفية ترفع احتمالية وقوع الحوادث، وهو انقلاب نظري يستحق الفحص في قطاع حساس كصناعة الطيران حيث تترتب على الحوادث كلف بشرية واقتصادية جسيمة
وتستحق مفاهيم الدراسة وقفة تعريفية، فالمكانة في شبكات التحالف هي التقدير والترتيب الرمزي الذي تحظى به المنظمة في أعين شركائها، وهو يمنحها عادة فرصًا أفضل للوصول إلى الشركاء المرموقين والمعلومات المبكرة، أما الفجوات البنائية فهي المواقع التي تربط المنظمة عبرها بين أطراف لا يتصل بعضها ببعض، فيمر عبرها تدفق المعلومات والفرص فتكتسب قوة وسيطية، وقد دأبت أدبيات الشبكات على الاحتفاء بهذين الموقعين بوصفهما رأس مال علاقاتيًا، لكن نظرية الحوادث العادية تنبه إلى أن المزايا التنظيمية نادرًا ما تأتي بلا ثمن، فالترابطات المعقدة والمتطلبات المتضاربة قد تبني داخل المنظمة بذور أزماتها المقبلة دون أن تنتبه قيادتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الأثر المولد للحوادث لموقعي الشبكة، المكانة والفجوات البنائية، مستندة إلى رؤى نظرية الحوادث العادية التي تسلط الضوء على الآثار المولدة للحوادث للتعقيد والاقتران المحكم ونقص الاحتياطي لدى المنظمة، فقد افترض الباحثون أن كلف التمايز النابعة من المكانة وكلف التعقيد النابعة من الفجوات البنائية تزيد احتمالية وقوع الحوادث، وأن نقص الاحتياطي يزيد الأثر المولد للحوادث للمكانة عبر تضخيم كلف التمايز، بينما يخفض أثر الفجوات البنائية عبر تقليل كلف التعقيد، واختبرت الدراسة هذه الفرضيات تجريبيًا بمعادلات التقدير المعممة على بيانات صناعة الطيران في الولايات المتحدة الأمريكية من عام 1978 إلى عام 2011
ثانيًا: أبرز النتائج
دعمت نتائج الدراسة التجريبية الحجج النظرية بقوة، إذ تبين أن الحوادث تزداد احتمالية وقوعها حين تحتل شركة الطيران المحورية مكانة أعلى في شبكات التحالف بين الشركات وحين تشغل موقعًا غنيًا بالفجوات البنائية، كما أظهرت النتائج أن نقص احتياطي الموارد البشرية يضخم الأثر المولد للحوادث للمكانة بينما يخفف أثر الفجوات البنائية، فالشركة ذات المكانة العالية المنهكة بشريًا تصبح أكثر عرضة للحوادث لأن كلف تمايزها تتضاعف دون وسادة بشرية تمتصها، بينما يعمل نقص الاحتياطي على تقليص تعقيد الشبكات الغنية بالفجوات فيحد من مخاطره جزئيًا، وهي نتائج تعيد تفسير بعض الحوادث الكبرى بوصفها ثمارًا لبنى علاقاتية لا لأخطاء لحظية فحسب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج نقاشًا مهمًا حول النتائج السلبية غير المقصودة لمواقع شبكية يفترض أنها مفيدة، فالمكانة والفجوات البنائية اللتان تجلبان مزايا معلوماتية وتفاوضية تحملان في المقابل كلف تنسيق وتمايز قد تنقلب مخاطر سلامة، وهو ما يحمل دلالات لإدارات شركات الطيران والقطاعات عالية المخاطر عمومًا، إذ ينبغي موازنة السعي إلى مواقع شبكية مميزة ببناء احتياطي بشري كاف وأنظمة تنسيق تستوعب التعقيد المصاحب، كما يفيد الجهات الرقابية في توسيع نظرتها إلى مصادر الحوادث لتشمل البنية العلاقاتية للمنظمة لا إجراءاتها الداخلية فقط، ويدعو الباحثين إلى إدخال المتغيرات الشبكية في نماذج التنبؤ بمخاطر الحوادث
وتقود هذه النتائج إلى إعادة نظر في مؤشرات المخاطر التي ترصدها الإدارات والجهات الرقابية، فإلى جانب معدلات الأعطال وتقارير السلامة الداخلية يمكن رصد مؤشرات علاقاتية كموقع الشركة في شبكات التحالف وكثافة التزاماتها التعاقدية وتداخل جداول شركائها، بوصفها إنذارات مبكرة بضغوط تنظيمية قد تنتهي بحادث، وعلى صعيد الإدارة الداخلية تدعو النتائج الشركات الطامحة إلى مكانة شبكية أعلى إلى مرافقة هذا الطموح باستثمارات موازية في طواقمها البشرية الاحتياطية وأنظمة التنسيق، كي لا تتحول المكانة من أصل استراتيجي إلى مصدر هشاشة، كما تصلح فرضيات الدراسة للاختبار في قطاعات أخرى عالية الاقتران كالمحطات النووية والمستشفيات الكبرى وسلاسل الإمداد الحرجة
وخلاصة القول إن الحوادث قد تولد من رحم المزايا ذاتها، فمكانة المنظمة العالية وغناها بالفجوات البنائية في شبكات التحالف يرفعان احتمالية حوادثها، ويتفاعل نقص الاحتياطي البشري مع هذين العاملين تضخيمًا وتخفيفًا، مما يجعل إدارة الموقع الشبكي جزءًا لا يتجزأ من إدارة السلامة في المنظمات عالية المخاطر








