تتسارع وتيرة توظيف البيئات الافتراضية الغامرة في تعليم اللغات، حتى غدا تصميم فصول دراسية داخل عوالم الميتافيرس أحد الاتجاهات التي تستقطب اهتمام الباحثين والمعلمين، لما تتيحه هذه البيئات من تفاعل ومرونة يتجاوزان حدود الفصل التقليدي، وفي هذا السياق تبرز أهمية الوقوف على تجارب المعلمين قبل الخدمة حين يتولون بأنفسهم تصميم هذه الفصول ومشاركتها، إذ إن قبولهم للتقنية وإدراكهم لإمكاناتها شرطان أساسيان لنجاح توظيفها مستقبلًا في تدريس اللغة الإنجليزية لغة أجنبية، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتستكشف تصورات معلمي اللغة الإنجليزية قبل الخدمة وقبولهم التقني لتصميم فصول الميتافيرس اللغوية انطلاقًا من تجربتهم الفعلية في إنشائها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل تجارب إنشاء فصل الميتافيرس لدى معلمي اللغة الإنجليزية قبل الخدمة من حيث قبولهم التقني والإمكانات التي تتيحها لهم هذه البيئة، فضلًا عن تصوراتهم لإمكاناتها في تعلم اللغة وتعليمها، واعتمدت الدراسة تحليلًا معمقًا لبيانات المسح والبيانات التأملية التي جُمعت من ثلاثين معلمًا قبل الخدمة انخرطوا في إنشاء فصل الميتافيرس ومشاركته مع الآخرين، فجمعت بين إجاباتهم على أدوات المسح وكتاباتهم التأملية حول التجربة، كما وظفت تحليل المشاعر للكشف عن نبرة تجارب المشاركين وانطباعاتهم العامة، وتحليل شبكة الكلمات المفتاحية لاستجلاء الروابط الدلالية في خطابهم حول البيئة الافتراضية وخصائصها التعليمية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن تصميم فصل الميتافيرس المرن القابل لإعادة التشكيل الذي أنشأه المشاركون قد أسهم في تعزيز كفاءتهم الذاتية واستقلاليتهم وإدراكهم للإمكانات التي تتيحها التقنية لهم بوصفهم مصممين ومتعلمين في آن واحد، فقد منحتهم حرية إعادة ترتيب عناصر الفصل وتكييفها شعورًا أكبر بالتحكم في بيئة التعلم وقدرة على توظيف مواردها بما يلائم أهدافهم، كما كشف تحليل المشاعر أن تجربة المشاركين في إنشاء فصل الميتافيرس كانت إيجابية في مجملها، بما يعكس رضاهم عن التجربة وانجذابهم لمواصلتها، وبين تحليل شبكة الكلمات المفتاحية أن بيئة الميتافيرس يسرت تبادل الخبرات بين المشاركين ودعمت التعلم المتجذر في السياق، إذ أتاحت مواقف تعليمية قريبة من مواقف استخدام اللغة الحقيقية
وتتسق هذه النتائج مع تصور يرى أن قيمة البيئات الافتراضية لا تكمن في مجرد نقل الفصل التقليدي إلى فضاء رقمي، بل في إعادة تصميم خبرة التعلم ذاتها بما يسمح بالتفاعل والمحاكاة والمشاركة، فقد أتاح انخراط المشاركين في التصميم الفعلي فرصة لاختبار قرارات تربوية متعددة، من تنظيم الأنشطة إلى اختيار الموارد وطرائق عرضها، وهو ما عمق فهمهم للعلاقة بين التصميم التعليمي وإمكانات التقنية، كما أن مشاركة الفصول التي أنشأوها مع زملائهم حولت التجربة إلى مجتمع تعلم صغير يتبادل أفراده الملاحظات والأفكار ويستفيد كل منهم من حلول الآخرين التصميمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات مهمة لبرامج إعداد معلمي اللغة الإنجليزية، إذ تؤكد أن إشراك المعلمين قبل الخدمة في تصميم البيئات الافتراضية بأنفسهم مسار فعال لبناء قبولهم التقني وتنمية كفاءتهم الذاتية، لا مجرد تدريبهم على استخدام أدوات جاهزة، كما تدعو صانعي السياسات التعليمية إلى صياغة سياسات لا تقتصر على الجوانب النظرية للتعلم في الميتافيرس بل تراعي المنظورات التربوية التطبيقية في التصميم والتنفيذ والتقويم، ويستفيد مصممو المنصات التعليمية من هذه النتائج في تطوير بيئات مرنة قابلة لإعادة التشكيل تدعم استقلالية المعلم وتمنحه مساحة للإبداع في بناء خبرات تعلم لغوي سياقية ثرية
ويمتد أثر هذه التجربة إلى ما هو أبعد من إتقان أداة تقنية بعينها، إذ يبني لدى المعلم قبل الخدمة عقلية المصمم التعليمي القادر على التفكير في أهداف التعلم وخصائص المتعلمين وإمكانات الوسيط في نسيج واحد، كما أن توظيف تحليل المشاعر وتحليل شبكة الكلمات المفتاحية في رصد التجربة يقدم لبرامج الإعداد نموذجًا لتقويم الخبرات الرقمية من داخل أصوات المتعلمين أنفسهم لا من مؤشرات خارجية فقط، فحين يعبر المعلمون المتدربون بلغة إيجابية مترابطة عن بيئة صمموها بأنفسهم فإن ذلك مؤشر على اندماج حقيقي يصعب بلوغه بالتدريب النظري وحده، وهو ما يعزز الدعوة إلى إدماج التصميم التشاركي للبيئات الافتراضية في مقررات إعداد معلمي اللغات وخطط تطويرهم المهني المستمر مستقبلًا
وخلاصة القول إن تجربة إنشاء فصل الميتافيرس شكلت لدى معلمي اللغة الإنجليزية قبل الخدمة خبرة إيجابية عززت قبولهم التقني وكفاءتهم الذاتية واستقلاليتهم، وأظهرت ما تنطوي عليه هذه البيئات من إمكانات لتبادل الخبرات والتعلم السياقي، بما يرشحها خيارًا واعدًا في مستقبل تعليم اللغات متى أُحسن إعداد المعلمين لتصميمها وتوظيفها








