يحتل الانتقال إلى الاقتصاد الدائري موقعًا متقدمًا في التفكير بالمستقبل المستدام للبشرية، إذ يعيد تعريف العلاقة بين النمو الاقتصادي من جهة وحماية البيئة وحفظ الموارد من جهة أخرى، غير أن نقطة خلافية متكررة في النقاش الأكاديمي تدور حول ما إذا كان تحقيق نمو اقتصادي مطرد يتعارض مع صون البيئة أم يمكن أن يتوافق معه ويتغذى منه، وفي هذا السياق جاءت هذه الدراسة لتسهم في حسم هذا الجدل بتقويم العلاقة بين أداء الاقتصاد الدائري والأداء الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي، عبر بيانات لوحية تمتد لأكثر من عقدين من الزمن
وتنبع أهمية الدراسة من اتساع قاعدتها البيانية وتنوع مؤشراتها، إذ لا تقيس الاقتصاد الدائري بمؤشر واحد بل بحزمة تشمل إنتاجية الموارد وتوليد النفايات البلدية وإعادة تدويرها، وتربطها مباشرة بالناتج المحلي الإجمالي للفرد، بما يقدم لصانعي السياسات الأوروبيين أدلة كمية على مواضع الرافعة الحقيقية التي يمكن أن يحسّن عبرها الأداء الدائري دون التضحية بالنمو، بل بما يعززه ويستديمه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر مؤشرات الاقتصاد الدائري في الناتج المحلي الإجمالي للفرد في دول الاتحاد الأوروبي، واستندت إلى بيانات لوحية مستمدة من قاعدة إطار الرصد الأوروبي للاقتصاد الدائري وقاعدة بيانات البنك الدولي تغطي سبعًا وعشرين دولة أوروبية خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2021، واعتمدت على الإحصاء الوصفي وتحليلات الارتباط والانحدار لتقدير قوة العلاقة واتجاهها بين مؤشرات الدائرية ومستوى الأداء الاقتصادي، وفي مقدمة هذه المؤشرات إنتاجية الموارد، وتوليد النفايات البلدية للفرد الواحد، ومعدل إعادة تدوير النفايات البلدية
وتضفي طول الفترة الزمنية المشمولة بالبيانات، إذ تتجاوز عقدين كاملين، قوة على النتائج إذ ترصد العلاقة عبر ظروف اقتصادية متباينة من النمو والتباطؤ، وتمنحها قدرة تعميمية أوسع من الدراسات المقطعية قصيرة الأمد التي تلتقط لحظة واحدة من تطور الاقتصادات الأوروبية وسياساتها البيئية والدائرية المتعاقبة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود ارتباط إيجابي قوي بين مؤشرات الاقتصاد الدائري والناتج المحلي الإجمالي للفرد في دول الاتحاد الأوروبي، وكشفت تحليلات الانحدار عن أثر إيجابي جوهري ذي دلالة إحصائية لكل من إنتاجية الموارد وتوليد النفايات البلدية للفرد ومعدل إعادة تدوير النفايات البلدية في النمو الاقتصادي ممثلًا بالناتج المحلي للفرد، بما يعني أن تحسن كفاءة استخدام الموارد واتساع قدرات إعادة التدوير يقترنان بأداء اقتصادي أعلى، وأن مسار الدائرية لا يسير عكس اتجاه الازدهار بل يوازيه ويدعمه في التجربة الأوروبية خلال فترة الدراسة
وتعزز هذه النتيجة الثقة بأن مؤشرات الدائرية ليست أعباء امتثال تفرضها التشريعات البيئية، بل متغيرات اقتصادية فاعلة تدخل في صلب معادلة النمو، وأن قياسها الدوري ضمن أطر الرصد الوطنية والأوروبية يزود الحكومات ببوصلة مبكرة لتصحيح السياسات الصناعية والبيئية قبل اتساع الفجوات بين الدول الأعضاء وتفاقم كلفتها
وتدعم هذه النتائج فرضية أن كفاءة الموارد محرك إنتاجي لا عبء تنظيمي، فحين تنتج المنشآت والاقتصادات قيمة أكبر من المدخلات المادية ذاتها تنخفض الكلف وتتحسن التنافسية ويرتفع الدخل، وحين تتسع منظومات جمع النفايات وتدويرها تنشأ أنشطة اقتصادية ووظائف جديدة تعيد ضخ المواد في دورة الإنتاج بدل هدرها، ومن هنا يقترن ارتفاع مؤشرات الدائرية بارتفاع الناتج المحلي للفرد عبر قنوات إنتاجية ملموسة لا عبر علاقات إحصائية مجردة يصعب تفسيرها اقتصاديًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتنفع استنتاجات الدراسة صانعي السياسات في الاتحاد الأوروبي في صياغة استراتيجيات تحسين أداء الاقتصاد الدائري ومواءمة هذا التحسين مع الأداء الاقتصادي للدول الأعضاء، وتشير بوجه خاص إلى اتخاذ تدابير ترفع إنتاجية الموارد وتشجع المنتجين والمستهلكين معًا على زيادة قدرات إعادة تدوير النفايات بوصفها عوامل جوهرية في النمو الاقتصادي، كما تفيد الدول الساعية إلى التحول الدائري خارج أوروبا بأن الاستثمار في كفاءة الموارد ومنظومات التدوير يمكن أن يكون سياسة بيئية ونمائية في آن واحد لا خيارًا مؤلمًا بينهما
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت دليلًا كميًا من سبع وعشرين دولة أوروبية عبر عقدين على أن الاقتصاد الدائري والنمو الاقتصادي شريكان لا خصمان، إذ ترتفع إنتاجية الموارد ومعدلات إعادة التدوير جنبًا إلى جنب مع الناتج المحلي للفرد، وبذلك تمنح دعاة الاستدامة حجة اقتصادية راسخة لدفع التحول الدائري إلى الأمام وتفتح الباب لبحوث تفصيلية على مستوى القطاعات والدول المنفردة








