تتزامن طموحات الصين نحو تنمية اقتصادية عالية الجودة مع تفاقم المشكلات البيئية وتدهور أوضاع الموارد والبيئة، حتى صار التلوث وهدر الموارد من أخطر معوقات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم أصبح قياس الكفاءة البيئية على مستوى الأقاليم والمقاطعات مدخلًا أساسيًا لفهم أسباب التلوث والهدر وضبطها، ورسم سياسات دقيقة للإدارة البيئية والتحسين البيئي، وفي هذا السياق جاءت هذه الدراسة لتقوّم مستويات الكفاءة البيئية بين مقاطعات الصين واتجاهات تغيرها ودرجة تفاوتتها في ظل بيئة خارجية موحدة، بما يقدم صورة موضوعية دقيقة عن المستوى الحقيقي للكفاءة البيئية في كل إقليم
وتنبع أهمية الدراسة من أنها لا تكتفي بقياس الكفاءة البيئية بصورتها الظاهرة، بل تسعى إلى تنقيتها من آثار العوامل البيئية الخارجية والأخطاء العشوائية التي قد تشوّه النتائج وتضلل صانع القرار، فتقدم تقديرًا أكثر صدقًا لأداء كل مقاطعة في تحويل مدخلاتها إلى نواتج مرغوبة بأقل عبء بيئي ممكن، وهو ما يجعل نتائجها أساسًا صالحًا للمقارنات العادلة بين الأقاليم ولتصميم تدخلات سياساتية موجهة بدقة إلى مواطن القصور
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف الأسباب الرئيسة للتلوث البيئي وهدر الموارد في الصين، وتقويم مستوى الكفاءة البيئية الإقليمية واتجاه تغيرها وتباينها بين المقاطعات، وتقديم حلول كفؤة للإدارة البيئية المستقبلية والتحسين البيئي، واعتمدت على بيانات لوحية للمقاطعات الصينية خلال الفترة من عام 2011 إلى عام 2020، واستخدمت نموذج تحليل مغلف البيانات ثلاثي المراحل الذي يتيح تقويم الكفاءة في ظل البيئة الخارجية ذاتها مع فصل أثر العوامل البيئية الخارجية وعوامل الخطأ العشوائي، بما يعكس بصورة دقيقة وموضوعية المستوى الحقيقي للكفاءة البيئية في كل إقليم
ويتميز هذا النموذج بقدرته على التمييز بين قصور الأداء النابع من سوء الإدارة الداخلية للمقاطعة وبين التدهور الظاهري الناشئ عن ظروف خارجية لا تملك المقاطعة التحكم فيها، وهو تمييز جوهري لعدالة التقويم وسلامة الاستنتاجات المبنية عليه ولإنصاف الأقاليم الأقل حظًا في ظروفها المحيطة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أولًا أن مستويات الكفاءة البيئية المعدّلة في مقاطعات الصين تتغير تغيرًا ملموسًا عبر سنوات الدراسة، بما يعكس دينامية الأداء البيئي وتأثره بالسياسات والتحولات الاقتصادية الجارية، وأظهرت ثانيًا أنه عند استبعاد تأثير العوامل البيئية الخارجية وعوامل الخطأ العشوائي يتبيّن أن الكفاءة البيئية الحقيقية بين المقاطعات الصينية غير متوازنة بدرجة كبيرة، إذ تتفاوت الأقاليم تفاوتًا واسعًا في كفاءة استخدام مواردها وضبط مخرجاتها البيئية رغم خضوعها لإطار وطني واحد
وأظهرت النتائج ثالثًا أن للمتغيرات البيئية الخارجية تأثيرًا جوهريًا في الكفاءة البيئية الفعلية، ما يعني أن الحكم على أداء أي مقاطعة دون مراعاة سياقها الخارجي يقود إلى تقديرات مضللة، وأن الفروق المرصودة بين المقاطعات ليست نتاج كفاءة الإدارة وحدها بل تتداخل فيها ظروف بيئية واقتصادية ومؤسسية محيطة ينبغي احتسابها قبل إصدار الأحكام والمقارنات
وتعني هذه النتائج أن جزءًا معتبرًا مما يبدو تفاوتًا في الكفاءة بين المقاطعات يعود في الحقيقة إلى اختلاف البيئات الخارجية التي تعمل فيها، من بنية اقتصادية وظروف طبيعية ومستوى تنمية، لا إلى أداء إداراتها وحدها، وأن المقاطعة التي تبدو منخفضة الكفاءة قبل التعديل قد تكون في الحقيقة قريبة من نظيراتها حين تقاس في ظروف مماثلة، وهو ما يغيّر قراءة صانع السياسة للخريطة البيئية الصينية تغييرًا جوهريًا ويعيد ترتيب أولويات التدخل والدعم بين الأقاليم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وخلصت الدراسة إلى جملة من التوصيات لرفع مستوى الكفاءة البيئية في الصين، في مقدمتها تشجيع توسيع نطاق إتاحة السوق أمام الفاعلين الاقتصاديين، وتحسين هيكل الصناعة وتوجيهه نحو أنشطة أقل تلويثًا وأعلى قيمة، والاستفادة من تجارب التطوير المتميزة في المقاطعات الرائدة ونقلها إلى غيرها، وزيادة الاستثمار الرأسمالي في الإدارة البيئية بصورة معقولة ومدروسة، ورفع الوعي البيئي لدى المنشآت الاقتصادية ليصبح الالتزام البيئي جزءًا من ثقافتها التشغيلية، وتفيد هذه النتائج صانعي السياسات البيئية في بناء مقارنات عادلة بين الأقاليم وتوجيه الموارد إلى حيث تحقق أكبر أثر بيئي واقتصادي معًا
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت تقويمًا منقّى للكفاءة البيئية في مقاطعات الصين عبر عقد كامل، وبيّنت أن الكفاءة الحقيقية تتغير باستمرار وتتفاوت بدرجة كبيرة بين الأقاليم وأن العوامل الخارجية شريك أصيل في تفسيرها، وبذلك تفتح الباب أمام سياسات بيئية أكثر عدالة ودقة تستهدف القصور الحقيقي لا الظاهري وتوزع أعباء التحسين بعدل بين الأقاليم








