فرضت جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق المصاحبة لها تحولًا كبيرًا في أنماط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت هذه المنصات قناة رئيسة للبحث عن المعلومات الصحية وتلقيها، بما أبرز أهمية أن يشارك مبلغو العلوم الصحية معلومات دقيقة على المنصات الأكثر رواجًا، وفي هذا السياق هدفت دراسة منشورة في مجلة سيج أوبن إلى تقصي سلوكيات البحث عن المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أثناء تفشي الجائحة في فترات الإغلاق، لتقدير إمكانات توظيف الشبكات الاجتماعية الإلكترونية في إيصال الرسائل الصحية الموثوقة إلى الجمهور الواسع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى وصف تصورات المستجيبين لمعلومات كورونا على وسائل التواصل الاجتماعي، وأنواع المنصات التي استخدموها، والأشخاص الذين تواصلوا معهم عبرها، والعلاقة بين استخدام هذه الوسائل ومجموعات التواصل لدى المستجيبين، واعتمدت على مسح إلكتروني طبق على 1048 مستجيبًا في الولايات المتحدة عبر منصة كوالتريكس، اختيروا بأسلوب العينة التطوعية غير الاحتمالية ممن بادروا إلى المشاركة، واستخدمت مقاييس كيفها الباحثون لالتقاط سلوكيات البحث عن المعلومات في هذا السياق الاستثنائي الذي فرضته الجائحة
وتأتي أهمية هذا التقصي من أن الأزمات الصحية الكبرى ترفع الطلب على المعلومة الموثوقة ارتفاعًا حادًا في وقت تتكاثر فيه الشائعات والمحتوى المضلل، فتغدو معرفة أين يبحث الجمهور فعليًا ومن يتواصل معه وعلى أي المنصات شرطًا لأي تواصل صحي فعال، كما أن فترات الإغلاق التي قيدت التواصل المباشر جعلت الشبكات الاجتماعية قناة التواصل الرئيسة لكثير من الأسر والأصدقاء، وهو ما ضاعف وزنها مصدرًا للمعلومة الصحية والدعم الاجتماعي في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أكثر من 70 في المئة من المستجيبين شعروا بالإرهاق أثناء بحثهم عن معلومات كورونا، وواجهوا صعوبة في الوصول إلى معلومات إضافية أو تفسيرها، ولجأوا أحيانًا إلى تجنب أخبار الجائحة كليًا، وهو ما يعكس عبء فرط المعلومات الذي صاحب الأزمة، كما تبين أن منصات فيسبوك وإنستغرام وتويتر كانت الأكثر استخدامًا للحصول على معلومات كورونا، وتصدر فيسبوك هذه المنصات بوصفه الأوسع استخدامًا خلال فترات الإغلاق بين المستجيبين
واستخدم المستجيبون فيسبوك بصورة رئيسة للتواصل مع الأصدقاء والعائلة أثناء الجائحة، وارتبط امتلاك شبكات اجتماعية أوسع بتكرار أعلى للوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، بما يشير إلى أن التضخم المعلوماتي لم يمنع الجمهور من الاعتماد على هذه المنصات قناة للمعلومة الصحية والتواصل الاجتماعي معًا، وأن كثافة الشبكة الاجتماعية للفرد تزيد تعرضه للتدفق المعلوماتي وتفاعله معه، وتجعل حضوره الرقمي أكثر انتظامًا في أوقات الأزمات والأوقات العادية على حد سواء
ويبرز في هذه النتائج مفارقة تستحق التأمل، فالمنصات ذاتها التي أرهقت الجمهور بسيل المعلومات هي التي احتضنت تواصله الاجتماعي وطمأنينته النسبية عبر الأهل والأصدقاء، ومن ثم لم يكن الحل في مقاطعتها بل في ترشيد التعرض لها وتنظيمه، كما أن تجنب الأخبار الذي أظهره بعض المستجيبين يقرأ بوصفه آلية دفاعية ضد الإرهاق المعلوماتي لا لامبالاة بالخطر الصحي، وهو ما ينبغي أن تضعه الرسائل الصحية في حسبانها عند تحديد جرعة التوعية وتكرارها وتوقيت بثها للجمهور
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج الدور الجوهري لفيسبوك في نشر المعلومات الموثوقة خلال الجائحة، وتبرز الحاجة إلى استراتيجيات تساعد الأفراد على الإبحار في الحجم الهائل من المعلومات المتدفقة ومنها المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما في أوقات الأزمات، ويمكن للجهات الصحية ومبلغي العلوم أن يستثمروا هذه النتائج في اختيار المنصات ذات الانتشار الأوسع وتصميم رسائل مبسطة قابلة للتفسير تقلل شعور الجمهور بالإرهاق المعلوماتي وتدعم قدرته على تمييز المعلومة الموثوقة من غيرها وبناء عادات بحث معلوماتي أكثر رشدًا
كما تفيد النتائج الباحثين في التواصل الصحي بضرورة دراسة سلوكيات البحث عن المعلومات أثناء الأزمات في سياقات ثقافية ومنصات محلية مختلفة، إذ قد تتباين المنصات المهيمنة وعادات التواصل بتباين المجتمعات، بما يجعل الاستنتاجات المستخلصة من الجمهور الأمريكي منطلقًا للمقارنة لا قالبًا جاهزًا للتعميم، والأمر ذاته يدعو إلى بناء أدلة تواصل أزمات محلية موثقة تجريبيًا في كل سياق مجتمعي على حدة
وخلاصة القول إن وسائل التواصل الاجتماعي كانت أثناء الإغلاق نافذة الجمهور الأولى إلى معلومات الجائحة وشبكته الاجتماعية في آن واحد، وإن حسن توظيفها من قبل المؤسسات الصحية يظل رهنًا بمعالجة فرط المعلومات والتضليل اللذين رافقا هذا الاعتماد الواسع








