تعد خدمات دعم ذوي الإعاقة ركيزة أساسية في بناء بيئة تعليم عال شاملة وعادلة، فالجامعة لا تؤدي رسالتها كاملة ما لم يتمكن جميع طلابها من الوصول إلى التسهيلات والخدمات التي تعينهم على التعلم والازدهار، غير أن وجود هذه الخدمات على الورق لا يعني بالضرورة أن الطلاب المستهدفين ينتفعون بها فعليًا أو يدركونها بوصفها متاحة وميسرة، وهنا تبرز أهمية الاستماع إلى أصوات الطلاب أنفسهم واستكشاف تجاربهم المباشرة مع خدمات الدعم والعوائق التي تواجههم عند طلبها، وقد جاءت الدراسة موضوع هذا المقال لتفحص تصورات الطلاب حول إمكانية الوصول إلى خدمات دعم الإعاقة، والعوائق المدركة أمام الانتفاع بها، وجودة حياتهم داخل بيئات التعليم العالي الحكومي، جامعة بين هذه الأبعاد الثلاثة في تصميم واحد وعينة واحدة، بما يقدم فهمًا مركزيًا حول الطالب لتجربة الدعم الجامعي، ويوفر أدلة خط أساس تنطلق منها سياسات الإدماج وتطوير الخدمات في مؤسسات التعليم العالي، وبخاصة في سياقات ما تزال فيها هذه الأدلة محدودة التوافر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصورات الطلاب بشأن الوصول إلى خدمات دعم الإعاقة، والعوائق المدركة أمام الانتفاع بهذه الخدمات، ومستوى جودة حياتهم في سياقات التعليم العالي الحكومي، واعتمدت تصميمًا مسحيًا مقطعيًا شارك فيه 79 طالبًا من ذوي الإعاقة المسجلين رسميًا لدى خدمات الإعاقة أو خدمات دعم الطلاب في جامعتين حكوميتين في الشرق الأوسط، تقعان في قطر والأردن، وجمعت البيانات باستخدام استبانة قيمت الوصول المدرك إلى التسهيلات والعوائق أمام الانتفاع بالخدمات، إلى جانب مقياس جودة الحياة المختصر الصادر عن منظمة الصحة العالمية الذي يقيس جودة الحياة في مجالات متعددة تشمل الصحة الجسدية والبيئة، وحللت البيانات بأساليب إحصائية لا معلمية تتناسب مع طبيعة البيانات وحجم العينة، وفحصت الفروق في تجارب الطلاب المبلغ عنها عبر السياقين المؤسسيين المختلفين في الدولتين، بما يتيح رصد أثر البيئة المؤسسية في تجربة الدعم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر الطلاب مستوى متوسطًا من الوصول العام إلى التسهيلات والخدمات المرتبطة بالإعاقة، إذ بلغ وسيط درجات الوصول 1.95 بمدى ربيعي تراوح بين 1.81 و2.17، كما أبلغوا عن عوائق مدركة متوسطة أمام الانتفاع بالخدمات بلغ وسيطها 1.65 بمدى ربيعي بين 1.47 و2.00، وكشفت النتائج عن فروق دالة إحصائيًا بين السياقين المؤسسيين في الوصول إلى تسهيلات محددة وفي العوائق المدركة وفي مجالات جودة الحياة، وكان من أبرز هذه الفروق ما يتصل بغرف الامتحانات الهادئة التي سجلت فرقًا كبيرًا في حجم الأثر بلغ 0.65، ومجال جودة الحياة المرتبط بالصحة الجسدية بحجم أثر 0.59، ومجال جودة الحياة البيئية بحجم أثر 0.58، والعوائق المالية أمام الوصول إلى الخدمات بحجم أثر 0.55، وجاءت الدلالة الإحصائية لهذه الفروق جميعًا دون مستوى 0.001، وبصورة عامة أظهرت النتائج أن تجارب الطلاب مع دعم الإعاقة تباينت عبر السياقين بما انعكس في الوصول إلى الخدمات وفي نواتج جودة الحياة معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة أدلة أصلية تجمع بين الوصول إلى خدمات دعم الإعاقة وعوائق الانتفاع بها وجودة الحياة ضمن تصميم واحد وعينة واحدة، وهو جمع نادر في الأدبيات يتيح رؤية العلاقات المتبادلة بين جودة الخدمة المقدمة وحياة الطالب فعليًا، ومن أبرز دلالاتها أنها تضع صوت الطالب في مركز تقييم الخدمات بدلًا من الاكتفاء بالمؤشرات الإدارية، وتقدم أدلة مؤسسة على سياقات واقعية من بيئات تعليم عال ما تزال ممثلة تمثيلًا محدودًا في البحث العالمي، ما يمنح صانعي السياسات ومطوري الخدمات خط أساس قيمًا لإرشاد سياسات الإدماج وتطوير الخدمات الجامعية، كما يوحي تباين التجارب بين السياقين المؤسسيين بأن ممارسات الدعم المؤسسية تصنع فرقًا حقيقيًا يمكن البناء عليه بتبادل الخبرات الناجحة بين الجامعات، ويبقى من حدود الدراسة صغر حجم العينة وانحصارها في جامعتين، ما يدعو إلى دراسات أوسع تتناول مؤسسات ودولًا أكثر وتوظف مناهج مختلطة تتعمق في تفسير الفروق المرصودة
وخلاصة القول إن الدراسة أظهرت أن تجربة الطلاب ذوي الإعاقة مع خدمات الدعم الجامعي تجربة متوسطة المستوى في الوصول والعوائق، لكنها شديدة التباين بحسب السياق المؤسسي، إذ ظهرت فروق كبيرة في تسهيلات محددة كغرف الامتحانات الهادئة وفي مجالات جودة الحياة والعوائق المالية، وهو ما يجعل تطوير خدمات الدعم ومعالجة العوائق المالية وضمان اتساق الممارسات بين الجامعات أولويات عملية لبناء تعليم عال أكثر شمولًا وعدالة








